الأحد، 13 مارس 2016

قهوة سادة

اتفاق وهمى بينى و نازع الارواح الوهمى لم اكتشفه الا حينها ،
عندما يداهمك ذلك الاحساس الطاغ بأن هناك كائنا ما خلفك ، يترقب خطواتك ، يعد انفاسك ، فى اللحظة غير القابلة للتكرار سينتزع روحك ويتركك على جانب الطريق ملقى بغير روح ، يداهمنى ذلك الاحساس ، يظل ضاغطا على قلبى ، فى كل خطوة ، مع كل نفس يخرج ، اقطع طريق الخارج من نفق الازبكية بحذر يرتقى الى التوجس ، الموت مرتعبا من الموت فى البدن ، اقطع الطريق متلفتا يمينا ويسارا ، سيارة ما من اللاتى يلفظهن النفق ستدعس بدنى وفى لحظة فانتومية ينزع النازع روحى ويتركنى هناك لتسويتى بالاسفلت فيما بعد ، فى غرفتى المقبورة بحى السلمانية وراق العرب ارتخى فوق سرير متهالك واتخيل الخبيث ينشب اظافره فى صدرى فيقتلع اللوزتين ويحرق الرئتين ثم ينتزع النازع روحى ، وداخل مقهى السلمانية الرابض بشراسة على ناصية الحى اشرب قهوتى السادة مدركا مع كل رشفة ان فيروسا ما سيتعلق بشفتى وينزلق الى الحلق ثم ما يلبث ان يصمد هناك رافضا التزحزح حتى مع سعالى المتكرر ومساعدة رواد المقهى بالضرب اسفل عنقى ثم الفظ النفس الاخير وينتزع النازع البائس ما جاء لانتزاعه ، حالا او بعد حالا بقليل ، يضغط الاحساس على قلبك ف تتهيئ له ، تصلى قليلا من فروضك المنسية وتتدعى الخشوع ، تصالح نفسك و اعدائك ، تجعل رنة موبايلك سرينة اسعاف ، ثم ترتخى قليلا فى انتظار اللحظة غير المتكررة .
لكنه لم يأت على الاقل حتى تدوين النص ، رغم انه يظل مداهما ضاغطا فى استبسال غريب وجاثما فوق صدرك وتظل مستكينا مستسلما فى انتظاره
ولما يفزعك الرجاج وتوالية ناعقة سرينة الاسعاف فى موبايلك تدرك ان ثمة اختلاف حدث
- نعم ... نعم ... من تقصد
 وتدرك ان الموت آثر احدهم مخلفا اياك لدورة اخرى ، اخيك الاصغر ، دعسه شاب ارعن على الطريق الدائرى فسواه بالاسفلت ، استلمنا اماناته وما تبقى من امانته ، دفناه فى محل ولادته ، بكينا قليلا حتى دعسنا النسيان فنسينا ، ثم قابلنا الحياة مرة ثانية بصدور عارية مفتوحة للعالم بلا ظل موت يداهمها ويضغط عليها ويجثم ، ادرك بعدها ان احساسى بملاحقة الموت  قد اختفى تماما وان هناك شبه اتفاق وهمى بينى ونازع بائس  بموجبه انتزع روح اخى الاصغر تاركا روحى لجولة اخرى .
هكذا يمكن للاتفاق الوهمى ان يتكور ويتبلور وتتضح ملامحه المقيتة وان يدرك الواحد حسبته وما فيها من  الوساطة الممزوجة بالانانية العفنة ، جولة خلت ووجب طمسها ونسيانها تماما ، حتى دخول الجولة التالية ، فتعاودنى مشاعر الموت بعد عام او اقل قليلا ،يحلق فوق رأسك تماما ، يحاصر روحك المريضة بالخوف والتشكك ، تبيت متأكدا ان ما يفصلك عنه الا فاصلة كهذه ( ، ) اعود للفروض المنسية مدعيا خشوعا اكثر رجاءا واغير رنة الموبايل ثم اهيم على وجهى فى دروب الريف الفيومى كأى ميت حى ، حتى تبدأ الجولة فاتمسك باتفاقى والنازع البائس .
 الاخت الكبرى رغم انها اصغر سنا ، احست بألم ما فى صدرها ،  نشب الخبيث اظافره المتسخة فاجتثها ، تحايلنا كثيرا على مستشفيات السرطان حتى دعسنى الطبيب بالخبر المفجع
- ايام قليلة ، تحمل مسئوليتك ولا ترهقها بالمجئ ثانية
ييبتسم النازع فى تشف ،اسنان صفر متهالكة وبيئسة تبان من فمه الغليظ ، فى تشف يبص ويبتسم ويؤكد ان الاتفاق الوهمى باقيا كسد منيع وان الجولات الفائتة زادته قدسية ، الواحد المستسلم المستكين فى نهاية الامر لا يجد بيديه ما يقدمه سوى العجز المقيت العاجز او العجوز ، يقينا نحن فى مختبر ما ، حقل من حقول التجارب ، مجرد فئران بيضاء صغيرة والنازع الوهمى يبدل توقيتاتنا كيفما شاء
وكالعادة يضغط علينا النسيان فننسى قصدا ، نتوه فى مسالب المختبر ، سواء فى الغرفة المقبورة بحى السلمانية او بشوارع الريف الفيومى المنسى ، ينغمس كل فأر فى حاله وينسى كل الجولات قصدا صريحا .
 قل عام ، اثنان ، ثمانية ، عد ماشئت وتذكر دائما ان النازع البائس سيداهمك فى لحظة ما ، فانتومية وغير مكررة ، ربما خلف سيارة شاب ارعن على الطريق الدائرى ، او مع خبيث ينشب مخالبه فى صدرك فيحرق اللوزتين ، او مع فنجان قهوة ساده يتسرب الفيروس من خلاله فيعلق بحلقك ، نضغط بالنسيان فننس ، حال مختبر الفئران ، حتى تعاودنا رائحة الموت ، تحاصرنا مع كل خطوة وفى كل نفس ، فنعاود الصلاة المنسية بخشوع تلامسه الكراهية  ، ونلجم انفسنا البيئسة بتصالح روحى زائف ثم نجعل رنة المكالمات دعاء ولوج المدافن و للرسائل سرينة اسعاف مكتومة ،
 عادنى ذلك الاحساس القديم وجثم على انفاسى ، الموت رعبا من الموت فى البدن ، ترى على من سيكون الدور ، شامتا لزجا بائسا وبئيسا واجهنى النازع مباشرة ،درب صغير متفرع من حارة النفس ، زاوية مسكينة ومستكينة ورابضة هناك قانعة بما استلبته من الحارة ، واجهنى وجها لوجه نازع الارواح فيها وفى ليلة سوداء كالحقد ، 
- قلقت على روحك فجئت للاطمئنان
 لم يعرفنى بنفسه وقال انه يعرفنى وانه جاء خصيصا من مهربه لتنبيهى
- عش ولا تخف ، بيننا اتفاق
قال ان الجولة رغم دنوها لم تبدأ ، وان دورى ان اقدم فى وجبته احدهم وهو يمنحنى بعض شهور اخرى . 
افتش فى ذاكرتى ، بعض احلام خبيثة وزوجة واب وام واصدقاء بلهاء ( اتناسى الولدان قصدا )
 - لديك اكثر ، نطمع فى واحدا لا اكثر وبيننا اتفاق
يقول النازع ويبتسم مبديا خفة سمجة واسنان صفراء متهالكة فى فم مقبور ، اعيد التنقيب فى خيالاتى العيانة ، مخرجا فى درب منطوى من حارة نفسى 
افتقد طعم الحلم فى منامى مؤخرا ، الايام المارة كسهم منفلت صارت متباينة الطعم والرائحة ، معتادة وآلية تتوالى وتنفلت ، ما اسعد المتغيرات وما اقلها ، كأن الواحد ابنا للخلاء ، الفراغ الانسانى هو شغله ومسيرته منذ لحظة الانفلات الى الانتزاع ، نبيع علب الوهم ونشتر الكراهية والفارق مليمات لا تشبع فى ظل ارتفاع الدولار 
ساحاول تنميق النص فيما بعد ، اقص الحالة المكرورة واشذب اطرافه ، لتعميق رؤية ما صارت لا تأتينى  حين جفاف الاحلام  
 بص النازع لروحى وقال ان الساعة تجاوزت الوقت المسموح ، وان القرارات ليست بالصعوبة الظاهرة ، متغابيا سألته عن المطلوب بدون مواربه فكرر ان الوقت ماعاد سمحا و ماجدوى افهامى اذا تبلدت
بص النازع لروحى وبص فى ساعته ، قال ماضيا اختر احدهم بنفسك هذه المرة والا فشل الاتفاق ، قبل مضيه سما ولدى وزوجتى وابوى وعرج على الاصدقاء ، رمضان ، عصام ، حمدى ، اختر واشتر بعض شهور اخرى وسنكافئك ايضا
ومضى ، انفلت هاربا الى الحارة الوسيعة من ثم الى مربضه فى سفليات الارض الطاغية
انزوى فى مقهى السلمانية متدثرا ببعض أمل ، اعبث مع الذكريات المقيتة ، اخى الذى اغتيل غدرا بسيارة رعناء ، والاخت التى نهش السرطان ثديها وشوه روحها الجميلة ، وقديما جدى الذى نحر طلبا لثأر وابن عمى الذى مات مغتربا ومحبوبة دفنت فى عز فتنتها عند زوج آخر، اللائحة كبيرة والرفض ولد الكراهية اكبر وما عادت الروح البيئسة تحتمل عودة الدورة الكابوسية ،حين تزوم كمحرك مكتوم لعربة هائجة رعناء ، خبيثة كسرطان ، او فيروسا يعلق فى الحلق مع كوب قهوة سادة ولا يخرج قبل مرور الروح علية فى طريقها للانفلات .
 من باع نفسه للوهم لقاء بضع سنون وحب ضائع وامل مخاتل ، من يتبادل معى كراهيتى واحتقارى للمسافة الفارغة فى عمق احلام خرفة ، مخلفون للموت والنزاع ، رباية النازع ، يقطف زهرتنا فنسقط ، يسوونا بالاسفلت فيما بعد ، وينبت جيل جديد ، فئران جديدة تحب المختبر فتتفق مع النازع
- القهوة يا استاذ
يفاجئنى الصبى ذى الملامح المتعجرفة ، باصصا فى حقد مبديا خفة دم لزجة ، انظر  للقهوة ، انظر فى القهوى ، انظر جيدا ، وابص للولد ، صبى مقهى السلمانية المبتسم فى غل مبديا اسنان صفر متهالكة ، اعيد النظر للقهوة السادة فى كوبها المتسخ 

لعن الله الجمال الانسانى وحب الحياة ، بخيل ووقح هو العالم المريض المتصارع ، المجد للرهبة والخوف والحقد الغض ، وسحقا للساعات الحزينة
وانظر للقهوة السادة الا من وسخ كبايتها
امعن فيها النظر جيدا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق