الثلاثاء، 27 يونيو 2017

عتبات الموت

    طعن مولانا الأرض بعصاه وقال إنها صالحة للدفن ، حفر فى الرمال لحدا صغيرا ، تلقفه بود عميق وإنفلتت دمعة من عينه الجدباء ، نظر إلى عجوزه ، ثم وهو يوارى الرمال قال سأضع مقامى هنا ، قال أوص أن أدفن خلفه ، وألا يعلم بمدفنه هنا أحد ، سيدفن  سره معى ومعك فى هذه الارض ، لكنه لم يكن يعلم أن الأرض التى إختارها  لا تحفظ سرا 
                                                   ( عتبات الموت)
      سمع صوتا
     همسا حسيسا يداعب بردعة أذنه ، ثم مالبث حتى صار صراخا كالنقمة وعويلا كفقدان الأحبة
     زجره الصوت ، كأنما شرط إبطه  بمطواة ، أو شفرة حلاقة علمت فى وجهه ، صرخ ،  قادم ،.
     متعبا كان ، ملقى فوق فراشة كسجادة وطئتها الأقدام المتسخة فسوتها بالأرض ، أقول كسجادة رغم أن تشبيها بأنثى تكالب عليها المريدون أنكى ، عاده الصوت صراخا متواصلا طافحا كالنقمة وعويلا مريرا كالفقدان ،،
    لم تكن المرة الأولى ، ربما ليست الأخيرة أيضا ، عند إكتحال الليل يأتيه الصوت ، كلما إشتد إكتحاله إشتد حصار الصوت ، زنّا فاقعا متواصلا يأكل أذنه ، قم ، تعال ، نريدك ، جبان ، نريدك ، تعال ، قم ،.........، قم ،. قاوم إجهادا كليا  ، تحسس فقرات الظهر ، توجع ،، حينما عاده الصوت صرخ فى غيظ  ، على الطلاق من هذه الميتة إلى جوارى  قادم ، وحينما لمح بطرف عينه الناعسة سيخا حديديا تحكم به زوجته إغلاق الباب قال سأضع السيخ المحمى فى مؤخرة الكلب .
    دوائر الوهم تضيق بسرعة ، تضغط فوق روح ملتاعة ، تركت جسدا مجهدا لهذيان النوم المقلق وأصواته المتكررة بشكل يلاحقه ، يحاصره ، يحيطه ،  دافعا إياه للتلبية الغشيمة ومحاولات الإستقواء البليدة ، قادم أيها العاص غير خوافا ولا هاربا أو متلكئا ، بل ثابتا كمن سبق من الأولياء إلى مصير جهم ،  قادم وسأضع السيخ المحمى فى المكان المناسب والتوقيت .
    سيلا بغيضة كحزن لا ينضب ، كريهة كرائحة العوز ، منفرة كالإنتظار والترقب ، فى شبابه كان يمقتها للدرجة التى تمرضه حينما يمكث بها أسبوع أو أكثر دون ترحال ، حاله يختلف كثيرا الآن ، يشقى فى الخمسين مثلا ويواجه عزلة داخلية مع خشونة العظام وإنزلاق غضروف الفقرة الرابعة  ، ثم قد سلم روحه الملتاعة وبدنه المجهد  للبلد البئيسة ، وليدة مولانا  سيلا الهارب من شظف العيش فى بنى سويف منذ اربعة قرون ونيف ، سلم روحه الملتاعة للبلد البئيسة تطهوه بالطريقة الأنسب لأسنان العالم الفج ، سيلا شريرة كالعاص ، من لم يمتثل إذ جاءه الصوت واضحا صريحا كالمحبة ، مجلجلا فعل الأمر داخل قبة السماء صريحا واضحا ناصعا كالمحبة فى عيون مراهقة ، لكنه أبق  ، العاص أو ربما أحد أبناءه ،  شيطان حديث السن  ، ربما أوعفريت قليل الهدف  والحيلة _  فى إكتحال الليل يقرض آذننا ، فلا مناص للفرار من الصوت سوى بالتلبية الغشيمة ، قادم أيها الخناس مسنا أو حديثا ، هيئ مؤخرتك . 
    أزاح الغطاء ، بص عن يمينه وتفل عن يساره ، إستعاذ من وساوس تحاصرة ليلا ، عند حافة الفراش إستجمع روحه المبعثرة بين منامات وكوابيس ، سمع الصوت مرة اخرى  كنوع من التأهيل النفسى ، لذا فى إمتثال وإصرار ربانيان قام وقبل النفاذ من باب بيته كان سيخ الإغلاق فى يمينه وتفل عن يساره
  شتاء عرس كالمتفنن فى إنهاك وطن وتكفير مخاليق  ، الثانية والنصف فجرا ،  ظلمات الدنيا تبيت فى سيلا البئيسة  ، تفرد بغض أجنحتها فوق البيوت الواطئة ، شجيرات النخيل المتناثرة ، كثبان الرمال المترامى عند الطرف البعيد ، تبيت الظلامات فوق سيلا ككلب أجرب وحيدا بلا مئوئ ولا نهار حزين يحك أنفه ، أزاح الغطاء وقام ، تخطى الشارع الجانبى ثم شارع المظلة العريض ، مأخوذا ، ثمة سحر يجذبه إلى هناك ، رغبة محبوسة للإنصياع ، عدا الفرار بالتلبية من زن الصوت فى أذنه اليسرى وتفل عنها ،، تقدم ، نريدك ، جبان ،.......، جبان ، تحسس الباب الحديدى وأزاحه ببطئ ، يشبه بابها الحديدى بوابة سجن دمو ، تراب المدافن  بارد ومثلج ، عجينة الشيطان ،  حسه حافيا حينما لامست قدميه تراب المقابر ، مسحورا للدرجة التى لم يبدل معها لباس النوم أو الإنتعال ، منصاعا للحد الذى غيب وعيه تماما ،  فالهائم على وجهه فى ظلمات سيلا إلى مدافنها متوكئا على قضيبا حديديا وبعض أحلام قديمة ، ومقاوما وجعا يتسلل فى خشية من الفقرة الرابعة الى باقى السلسة وعظام القفص الصدرى ،_ مغايرا تماما عن الإنثى المتكالب عليها المريدون ، أو السجادة الموطئة فوق الفراش إلى جوار جثة زوجة وبينهم عقم ووجع سنون ..  قال ها انا ذا ، عار من أردية الخوف ، كارها للنقمة ، ولاعنا خبايا الروح الملتاعة  ، قال ليكف الصوت فقد لبيت ، لاعنا عزلته  وإنزلاق الفقرة الرابعة والخامسة والسادسة ، ها انا ذا ، جئتك أيها المؤذ فانظر ماذا ترى ؟، لكنه  لم يسمع إجابة ،  صمت يرنو ، صمت ثقيل كآلام  المفاصل والضمير ، تقدم قليلا ، شواهد القبور قباب الجحيم الأبدى ، سراديب العصاة والمردة ، معقل الشيطان الخناس العاص ، والعفاريت حديثة الشر والخيبة ، ثم ظلمات الدنيا البائتة فى سيلا ، الفاردة اجنحتها البغيضة عند البيوت الواطئة والكثبان عند طرفها ،  الثانية والنصف فجرا وبرودة الشتاء العرس تفتت فقرات الظهر المنزلقة  ، ثم صوت المؤذى يطن بالأذن اليسرى مذ قام ملبيا وتفل . ها انا ذا غير خوافا ومتماسكا رغم ما يبدو  ، لبيت وسأضع السيخ المحمى فى المؤخرة المناسبة والتوقيت ، سأتحين اللحظة وأدفع السيخ داخل تجويف الكلب الآبق دون اى تردد ،، لم تكن هناك اى أصداء فعل ،  لم يكن سوى الصمت ، يجثم  فوق القبور وأمام شواهد أصنامها المعبودة  ، صمت مغموس بصراخ الموتى على عتبات جهنم ، المماطلون فى الحساب والمتنطعون والخبثاء ، صمت القبور ملعون كالشيطان الآبق ذى المؤخرة الوسيعة . 
  صوته يصطدم بالشواهد ويرتد خائبا ، هزيلا مجهدا حافيا  يرتد الصوت إليه ، غير عابئا بتفاصيل أخرى محيطة ، إنسانا سمع نداءا  فلبى  ، لم يكن مجرد نداء ، سرسعة متواصلة تشرط الإبط او تعلم فى الوجه ، قام ملبيا مع إمتثال ربانى وإصرار لا يأتيه كثيرا ،  لو تريث ما استحقت اللحظة وجع الرصد ، لو تريث وعمل عقله لكفانا وجع رصدنا هذا ، أقله بعد أن تخلت عنا مذاهب السرد وتركتنا لتيه الرصد ، يأكل منسئتنا وعكازنا ،  لكن هناك ، فى قعر روحة الملتاعة إستقر أمل ما ، أمنية ما ، رغبة محبوسة مع سحر أخاذ ،  أذنه اليسرى هل تبينت نعرة الإستفزاز والكبرياء المتعفن بالغرور فى الصوت المنفلت من بقايا الكفر ،  أذنه اليسرى وتفل _ هل شمت رائحة معصية الكلب فى الصوت الزنان ، رغبة محبوسة وسحر يغالب المعطيات وأمل مخاتل ألا يكون صوت الرفض الأزلى ، صوت المعصية مع إنزلاقة الفقرة الرابعة ، على النقيض تماما ، ثمة رغبة جوانية أن يكون صوتهم هم ، ونظر غير بعيد ، فى هذا اللحد محمود لطيف ، وفى مدافن النسوة هناك أميرة لطيف وغيرهم كثير ، كل مرة تدفن أحد اقرباء روحك كان يأخذ نصيبه من قلبك ، حتى صرنا أحياء نشقى فى الخمسين بلا قلوب ، ولم نجد ما يملأ فراغ صدورنا سوى الكراهية نقتات عليها ونجترها فى الليالى البغيضة ، ثم نكمل  طرق النقيصة ،، لعلنا بكيناهم قليلا  ، لعلنا حزنا وارتسمت على ملامحنا المسحوقة بعض إشارات الفقد ، لكننا نسيناهم كما نسيتنا الفضيلة هناك على حواف ما تبقى من سيلا فى قلوبنا ،، أو أنسيناهم الكلب العاص رافض الخضوع وهو يهيئ لنفوسنا المريضة بالتواكل فضائل ملاعبة العالم الفج باسنانه الحادة المقرفة ، ومقتنا الموت للدرجة التى كرهنا فيها مقابرهم حتى سميناها قرافة
نهاية محتومة ومصير أبدى  ، فى حدث من إخراج الآمر الأول  ، مطلق الصيحة الأولى حيث تفترق الطاعة عن المعصية ويظل التفاضل متماسكا لآخر حروف الكينونة  ، حدث مقيت كسيلا النابتة على أطراف الخطيئة ، دون أى معنى وجودى سوى ترهات ،شيخ هارب يدفن كلبه البأس ويضع ضريحا ومقام ، نظرات توهى لعشاق العالم المتخابث ، الحياة الموجعة ، إغتراب السيلاوية المأخوذ من غربة مولاهم الكبير صاحب المقام مكشوف الغطاء ومرفوع الهامة فى لحده تحت القبة الخضراء ،، باصا مد بصره ، طاعنا الرمال بعصاه متأكدا إنها صالحة للدفن ، من ثم تصير البئيسة مدفنا كبيرا متسعا لحقد موتى بعضهم لازال حيا يمارس الحياة بخسة ، حدث كسيلا النابتة على أطراف المعصية  ، المغموسة روحها البغيضة بالغل والشر يرتق عالمها ، حدث لا فرار منه الا إليه ، لا مناص منه إلا إلى حضن روحه المتعفنة كبقايا المجرمون يعيد تقييم إنسانيتهم المفقودة فى ظلمات سيلا ، كثبان سيلا المترامى على حوافها  كسؤال مباغت عن العدل  ، عن إمكانية التوقف وعدم الإستمرار ، عند مفترق الإنخداع النفسى ، ونكمل فى عالم آخر ، حياة أخرى ليس بها روح ملتاعة كهذه  وحدث آخر لا يضنيه العوز  ، زعق ، قال ها انا ذا ، وحيث اننى رافض فمن الأولى وإختصار للوقت وتقديما لما سبق وتأخر حتى تجنبه الصواب .....، كل الأصوات يلوكها الفراغ فتصير صمتا قبوريا كالنطاعة ، عدا الصراخ بأذنه اليسرى تلك التى تفل عنها ،  تقدم قليلا ، بص على اللحود وقال هامسا ،هل ناديتم ، ثم مكررا وبود لا يتساوى وخشونة اللحظة ،  تشعرون بالوحشة والإحتياج لمحبة ميتة ، توحشت الحياة بعدكم وصارت سيلا مقبرة كبيرة ، ثم زعق ، إنها قبرتنا جميعا ، أمواتنا وأحيائنا وحياتكم ، أنظروا ، وقلب كفيه ، قال على الطلاق نحن موتى لم ندفن ، نحن موتى نتكلم ونأكل وأحيانا نمارس الغل ، نتبادله كاللوم فيما بيننا ، ثم يحسبونها علينا حياة ،  تنهد ، تاه فى أمنية ،  ثمة درجة معينة من الرجاء يصبو إليها ، متنمنيا لحظة إنكشاف ربانية لا يختلط فيها الحلم بالأسطورة ، لا يختلط الإيمان بحبات النفاق المتدلية من شجرة الطاعة ، إنما أن ينزوى القبح عن وجعنا ولو نصف يوم ، نصف خطوة ، نصف أمل ، ما نحتاجه من المعرفة يتكور أحيانا فى  أقل من نصف خطوة ، نصف يوم ، نصف ساعة ، نصف لحظة ، كابوسية خانقة أو مضيئة و كاشفة .


 فى هذا اللحد محمود لطيف ، وفى مدافن النسوة هناك أميرة لطيف وغيرهم كثير  ، والده ، من لا  يفارق مقعده فى البيت إلا طاعة _ ملئت رفات أبناءه القبور  ، وباستسلام مهين وشبه إتفاق تركناهم  لوحشة القبور ببواباتها الحديدة الشبيهة ببوابة سجن دمو ، ورغبات فى طى الماضى أو التبول فوقه ،، ثم  تمسكا  بأمل فى الخلود ، ورغبة  فى مراقصة العالم الفج والهروب من أسنانه المسنونة ، فى هذه المقبرة عم سيد وعم رجب وحماى وجدى محمد وجدتى آمنة ، وغيرهم كثير ، دفنتهم مقابر سيلا بسهولة ترتقى لحد التواطئ والقصدية ،
هل سمع ترحيبا وهو يخطو حافيا فوق ثراهم  أم أن طنين أذنه هيئ له  ، نظر حوله ، لم يكن هناك سواه ، ورائحة عطن الموت تؤنس ألم روحه الموجوعة  ، ثم صمت فج كالبغاء ، نبش التراب بيده ، بطيئا أول الأمر وكأن فى قاع روحة مقاومة ما ، ثمة رفض وتردد ،  ثم صار ينبش التراب مسرعا كمن يوارى خطيئة وعلى الطرف غراب أسود ، يطعن اللحد بقضيبه الحديدى ، يفتت التراب ويزيحه بيده اليمنى ويتفل عن اليسرى ،  يزيح التراب  محدثا عفرة تعمى عينيه الباصة بتوجع ، رائحة عرق منتنة مع عفرة المقابر عظام الفانون ولحومهم الصايرة  تراب مثلج وهواء خانق ، عجينة الشيطان ، تعمى عينيه المرتقبة بتوجع  لحظة انكشاف ما ، بنصف خطوة أو نصف أمل ، أو نصف  رغبة أخرى فى الإنكشاف والتواصل ، فى إعادة تدوير طاحونة الزمن للخلف ، ربما إلى قبل أن تطحنهم منذ سنون ، نبش المقبرة حتى هيئ له حجرا أسمنتيا مدفونا ، دفعه بيده ، ثم تسلل الى الداخل كلص ، هواء المقبرة متعفن كرفات الأخ الذى لم يتبقى منه إلا أربعة عظام تتوسطهم سلسة وجمجمة فى الأعلى ، حفظهم من قحط  اللحد كفنا مهترئا ، تبينهم فى الظلمات بصعوبة ،  إقترب من الجمجمة وهمس  ، هل ناديت يا أخى ، أدار أذنه اليمنى علها تلقف الصوت المنتظر ، هل ناديت ، لكنه لم يسمع صوتا ، أكنت تظن أنه سيحدثك ، يحتضنك ويقبل وجنتيك ويقول معاتبا لماذا لا تأت ، كلهم يأتون يا قبيح القلب ، أم تنتظر أن يبتسم فرحا بحضور روحك الملتاعة ، تتحرك عظمتى وجنتيه وتنفرجان لتبدو نصف ابتسامة ثم تلتقطان سيلفى ، ابتسامة وسيعة مع انفراجة عظام جمجمته التى تتقافز إبتهاجا فوق كفك اليمنى ، وهاتفك فى اليسرى وقضيبا حديدا لإحكام الإغلاق أو النفاذ لعمق الشيطان الرجيم ،  ثم يستفيق فيكرر، هل ناديت يا اخى  ، وحنين قاتل يدعس روحه الملتاعة ، يسويها بأرضية اللحد لكنه يعيد السؤال مرات ربما  ليخلى ضميره أو ربما ليعيد التنقيب عن مقلق نومه الأبدى بجوار الميتة على فراشة ، رغبة مدفونة فى إسترداد نصف قلب مدفون ، نصف أمل ، نصف قدرة على الإستمرار ، نصف ألم يشعرك بحياتك ،  هل ناديت يا وجع روحى ، لم تكن إجابة ، ليس هناك سوى الصمت البغيض ، صمت وحدوى حقير باعث على التشوف والاستهزاء غير خال الا من صراخ الشيطان ، قم ، تعالى ، تقدم ياخائب لن نعضك ، وألم كامل يتسلل مع وجع روحه من الفقرة الرابعة الى أعلى . 
نبتنا بين معصيتين  ، من عصى أمر السجود ، ومن اطاع جوع روحه ،  ثم انجرفنا ، خطيئة خلف اخرى ، حتى إنقسمت ظهورنا ، او على سبيل التحديد أزلقت الزنوب فقراتها ، حتى صارت نعمة الغفران  أمنية ودعوة أم سحرت  بالسجود .
نبتنا بين معصيتين ، من عصى أمر السجود ، ومن أطاع جوع روحه  ، وإنجرفنا ، معصية خلف أخرى ، تصير الروح بلا  أى معنى إنسانى ، تحيطها المعاصى ، لتصير بيتا للذنوب ، لحدا للمعصية والخسران المبين  ، روح نذلة تخون العيش والملح ، تدفن قلبها الميت بلحود قاسية وتهيم كالخشب المسندة شاقية بالخمسين وقد علمت الحياة فى وجهها بشفرة حلاقة أو شرطت إبطها بمطواة ،..  مخدر تماما ، مأخوذا ، لا  يملك أى وعى لتفاصيل مخيبة ، يعيد السؤال حائرا ، باصا لجمجمة الأخ ويتذكر آخر هناك بسجن دمو ، هل ناديت ، ويتناول الجمجة مقلبا وباحثا ربما عن وحشة صوت أو إبتسامة أو إيماءة بالموافقة ، ثم يعود إلى وعيه قليلا فلا يصدق أين هو وأى سبيل جاء به فى الثانية والنصف إلى مدافن سيلا الممتلئة برفات قطاعى الطرق ولصوص الحمير ،  الصبر يا ملهم أروح الغرباء ، ويكرر السؤال للجمجمة بين أصابعه المرتعشة وينظر حوله قليلا وينظر الى نفسه ثم إلى عظمات أخيه الأربع ، ثم يتمدد بجوار الرفات ، الى يمين باب اللحد ناحية القبله يتمدد ويصرخ ، هذا أنا إذا كانت هذه إرادتك ، لا أملك قلبا يخضع ل لعنة الحياة فلا تغتر ، وتمدد حتى يأس .
 ما أزلق فقرته الا الكبرياء يضاجع روحة المغموسة بالنفاق والخسران المبين ، مجلجلا فعل الأمر فى قبة السماء واضحا صريحا كالحسد فى عيون بائس فما لبث اللعين إلا أن يتوجع ويتحسس فقرات ظهره ثم يدعى النبل ، و الآخر يطيع  جوع روحه فتصير منسكا ، يتلوى جائعا مترددا متخابثا يزج بضلعه داخل مؤامرة ، أبناء المعصية يخشون الموت ويرفضون الحياة ، يبحثون عن نصف بهجة ، نصف أمل فى كون وعالم ووجع مغاير ، حينما تناديهم الرغبة فتضلل فكرتهم عن كنه العالم المتخابث ، لا حب ، لا إبتسامة يستحقها العالم ، بؤس ممتد وكثيف إذا أخرج يده نالت المعصية من ضميره ،. تمدد الى جوار رفات أخيه ، ظلمات بعضها فوق بعض ، ممتدة وكثيفة ، كراهية ومقت وازدراء بعضه فوق بعض ، بقعة النور فيه وهم كبير ، تمدد بجوار رفات أخيه ، تمرغ فى أرضية اللحد مغمغما ، مصير محتوم ، ثم إحتضن رفات الأخ  ثم أغمض عينيه و مات قليلا ، نصف ساعة ، نصف أمنية ، رغبة فى المعرفة والتواصل ، فى الإنكشاف والإستنارة ، نصف حلم ، نصف وجع ، نصف حياة أو نصف موتة ، أى محاولة لحصار الألم الممتد من الفقرة المنزلقة والصاعد إلى فراغ الصدر ، أى محاولة لحصار آلام الفقد التى لا تنتهى ، تتزاوج وتتكاثر لتحيل الكائن منا إلى شئ ، تمثال فرعونى تافه داخل مقبرة أو لحاء شجرة فى العراء يضاجعة المناخ الرطب ، يتحول الكائن إلى شيئا سطحيا تافها على هامش الحياة ، دون أى رغبة فى أى فعل ، ملاعبة العالم مثلا والإنزلاق  بين أسنانه المسنونة ، فتح عينيه غاضبا ، من كان ينادى إن لم تكن أنت ، ولا هو ، أريد أن أعرف ، أشقى فى الخمسين بجهلى ، لعل  المعرفة تعيننا على هضم وجع الحياة ، وعقم الحياة ، من ضن بالمعرفة التى تعلمها الأب حين كان هناك . وأشار للسماء .
غاضبا ينكت أرضية اللحد بقضيبه الحديدى ويجمع شتات عقله المبعثر فى خلوات المدافن ، يريدنى هنا ، ويريدنى حيا شاهدا ويحب جهلى ، تحسس وجع فقرته الرابعة ، خيط من الوجع ينفلت إلى فراغ الصدر دون رحمة ، يفتت عظامة مع برودة الشتاء ، أمال ظهره إلى الأمام متحاشيا ومسايرا الوجع ثم لمعت عينيه حينما إنتبه أن ثمة قصدية فى الأمر ، حينما انتبه وهو شبه راكعا ان هناك قصدية ، الوجع فى الفقرة الرابعة ، ظلمات الدنيا البائتة فى البلد النارش ، النداءات الموقظة لموتى الفرش الرخيصة ، مولانا سيلا الباحث عن أرض جديدة للحياة ، مولانا الذى يبدأ إعمار سيلا بدفن كلبه أسفل عتبات ضريحه هناك على بعد أمتار معدودات كلحظات الفرح فى عمر الشقاء ، لم يقو على الإنتصاب ، كان الوجع فى فقراته يشتد للدرجات الأخيرة ، مطارق تفتت عظامه ،  زحف خارجا ، ساخطا معاندا الوجع الذى يعصر عظامة ويحيله راكعا تارة و ساجدا تارة اخرى دون أى مقدرة على الإنتصاب والوقوف ثم إخراج اللسان للمخاليق الأموات والأحياء بلحود سيلا البيئسة حاوية الشيطان الصارخ فى الأذن اليسرى ، قم ، تعال ، تافه ، ومتعجرف ، وحقير،، حقير ،. ينكت قضيبه الحديدى بالأرض ويجر جسده المنهك خارج لحد أخيه ، يتمرغ بلباس نومه زاحفا ، متعرقا ، منهكا للنهاية ، أنصاف  خطوات أخرى ، يصير فوق عتبات مقام الشيخ سيلا المدفون منذ قرون ونيف ، يطعن الأرض بقضيبه ويزيح التراب محاطا بألم الفقد والكراهية تأكل روحه ، يطعن الأرض منتقما ، كراهية مستمدة من عجينة الأب الأول ، مغمغما ، انا هنا ، لا اخشى لعنة الموت ، ولا افضل لعنة الحياة ايضا ، ، طعمها نيئ فى حلقى ،  يطعن الأرض كمحارب فقد كل أصدقائه فى ساحة  المعركة ، ولم يستسلم بعد ، .
 الصراخ فى اذنه اليسرى ، مطواة قرن غزال حامية تشرط إبطه  ، شفرة حلاقة تعلم فى وجهه ، يصرخ طاعنا الأرض بقضيب مخصص لإحكام الإغلاق ، يزعق مؤكدا إنه لا يخشى الموت ، إنما يضنية الحنين ، يطعن الأرض ويزيح التراب ، حيث لا ضوء فى مدافن سيلا الشائهة ، ظلمات بعضها فوق بعض ، تبيت فى سيلا من دون كل القرى الأخرى ، تفرد بغض أجنحتها فوق البيوت الوطيئة ، شجيرات النخيل المتناثرة كشواهد ، كثبان الرمال عند الطرف ، ظلمات وصراخ شيطانى يأكل الأذن اليسرى مهما تفل  ، دون أى إستكانة أوهواده ولو رمزية ، انه حتى لايحترم غضروفه المنزلق بتواطئ قصدى ، يطعن الأرض أسفل عتبات ضريح مولانا سيلا ، يزيح التراب معاندا وقد فتتت برودة الشتاء العنيد ماتبقى من فقرات ظهره ، يهدأ صوت المنادى قليلا ، ربما توارى خلف صيحات القضيب الحديدى وهو يلج الثرى اسفل عتبة المقام ، او متواريا خلف غمغماته هو ، طاعنا الثرى ، جئت ، وسأضع السيخ فى المؤخرة الوسيعة ، لن يمنعك منى شيخا او مقاما ، يطعن الأرض ، ينكت السيخ فى الأرض فيفتت ثرى عتبة المقام ، مغتاظا ، حتى يتبين له صوتا جديدا ، يتلقف قضيبه وبسرعة ألية  يرهص أذنه اليمنى ف اليسرى أكلها صراخ الشيطان ، يرهص السمع ، ليتكور الصوت عواء صريحا يشتد كلما طعن الأرض بقضيبه ، ضحك  ، تساند على قضيبه ، تمالك روحة الملتاعة وجسده المجهد وحاول الوقوف ، كان متعرقا ، بالأحرى معجونا بعفن لحود سيلا ، رفات أخوته أو رفات لصوص الحمير وقطاع الطرق ، المماطلون فى الحساب والمتنطعون والخبثاء ،  يرتجف فى البرد وترتعد مفاصلة التى أذابها إنزلاق الفقرة الرابعة ، بص إلى السماء ، ألى اللحود المبعثرة هنا وهناك فى صمت شائه دون أى نسق ، إلى مقام مولانا سيلا الباحث عن مدفن جديد غير مدافن بنى سويف ، نظر الى الأرض ، ثرى الأرض المعجون برفات الشياطين أمام المقام ، رفات كلبه مع عرق المتمسحون بالضريح ، الباحثون عن مغفرة ما لزنوب تميتهم كل يوم ، كل ساعة ، كل لحظة ، طعن الأرض بقضيبه ، ضحك صائحا ، قال انها مازالت صالحة للدفن ، متفاجئا قال بعد اربعة قرون ونيف منذ الدفنة الأولى ، ثم مسترسلا ودون توقف عن طعن الأرض وازاحة الرمال قال كانت لدينا بعض شجاعة وحب ، خوف انسانى خالص ، طموحات قديمة ، أحاسيس مخزية بنقاء العالم ، ترقب  وأمل ، مشاعر لم تعد صالحة للحياة ، ظل يطعن الأرض ويزيح التراب  وهو يرتعد وجعا وبردا دون سلاما  قال لست فى حاجة إليها ، ضحك ، قال تذكرنى بإنسانية مخيفة .
ظل يطعن الأرض ، توارى صوت المنادى خلف عواء الكلب ، غمغمات الطاعن المرتجف وجعا مع إندفاعة قضيب الإغلاق مبعثرا ومزيحا الثرى أسفل عتبات مقام مولانا
 كان واضحا أنه يحفر لحدا