الخميس، 20 أكتوبر 2022

الفارس والملاحظ

 الفارس الأسمر فوق الفرس الأصيل مدجج بسيوفه ودروعه ومتاريسه ، يحمل عدة الحرب وعدة السلم ايضا ، فى الطريق الخال من المارة ذاهبا الى الحرب اذ اسوقفته شيخ عجوز ، هل لك ان تنقلنى الى الناحية الأخرى من النهر ، قالت العجوز  ف اعتذر الفارس ، تأخرت يا امى وعندى حرب لا يجب ان تفوتنى ، توسلت العجوز بالانبياء والقديسين والسادة فى العقل والظهر ان يحملها معه ، قالت تريث يا فارس فالحرب تنتظر وانا عجوز كما تري وشحيحة النظر كما تشاهد والحروب دول كما تعلم ، أما الفارس المدجج بعدته وعتاده وعناده فكان كما لو انه مقبل على لقاء حبيبة ، او صديق مرت دهور عمياء دون أن يلتقيا او نفس انشقت كالقمر وتاهت على اجناب الزمن ثم آن موعد التقائها ، الحرب يا امى لاتنتظر ،انها تقوم وتخمد ، ينتصر البعض وينهزم الآخر ،  والمعركة اليوم ربما تفصل ، ثم نظر الى قرص الشمس عن يمين الأفق الذليل وقال سامحينى مكروب وتأخرت فى تسريج الفرس وتحميل العتاد ولا يجب ان تفوتنى ، ثم نخس فرسه بكعب الحذاء .وهو يردد الحرب . الحرب 

بعد الف عام التقيا ثانية ، كان قد توظف فى بلدية مديرية الفيوم ، عاملا فى الري ، يركب عجلته النصر الكبيرة ، وفى يده دلو فارغا وفى عمقه وجعا ازليا ، مدججا بعدة الرش وعدة النوم على جوانب الطرق العفرة وعدة الشاى ايضا ، كوز نحاس ولفافة سكر تموين وباكو شاى مخروما _ اذ استوقته العجوز راجية ان يحملها الى الجانب الآخر من النهر ، فالت انتظرتك طويلا يا بنى ولدى حب وأمل ، بص العامل فى وجهها جيدا قبل ان يعتذر لتأخره وان الملاحظ يمر فى هذا التوقيت تماما وكل الطرق التى تؤدى الى روما والتى لا تؤدى ايضا منوط به رشها، حتى تهدأ العفرة ولا تزعج البهائم فى الطرقات او النسوة فى اكواخ القهر على جوانب السكك ، هذا وقت مرور الملاحظ الذى يضع العامل فى رأسه واقل  هفوة تصيب اليومية فى مقتل ، سامحينى يا امى ، لدى رش لم يرش  ، توسلت العجوز ، قالت انها مسكينة جارت الدهور عليها ولفظتها القرى والبلدان وتركتها لكلاب السكك المرشوشة تنهش روحها الكفيفة ، فلينتظر الرش او ليذهب ، تعمى عين السماء التى لا ترأف ، يسكن القلب الفارغ من الرحمة وتتجمد فيه الدماء الباردة ، قالت سئمت الطرقات المتسكعة والحشائش التى لاتسمن ، تشفعت بالانبياء والقديسين ، الأولياء فوق المنابر او فى قباب قبورهم والسادة فى الظهور او حتى المؤخرات ، قالت احملنى الى الناحية الاخرى من النهر او القى بروحى التائهة فيه .

لكن العامل بدا مهزوما لأبعد الحدود ، ف نظر فى ساعته ، وقرص الشمس يتلوى فى ظهيرة السماء ، والطريق الممتد امامه متخيلا عينا الملاحظ المغروسة فى جدول الحضور والاستقرار ، ثم قال سامحينى يا امى ، عندى رش لا ينتهى ، الحياة رش ونوم ونوم ورش ، مثقلة بنكد البيوت وطلبات المدارس والدروس الخاصة ووجع القلب والهم المتصل ،  الطرق التى يستقر عفرها اليوم يا أمى تهيج فى اليوم الثانى ، والملاحظ عديم الرحمة لا يترك شاردة ولا هائجة ، وتجهيز البنات للستر كفيلا  بإحناء الظهور الفارغة من السادة او حتى العبيد ، سامحينى يا أمى ، ان لم نرش الطريق اليوم جعنا غدا وتسكعت بناتنا فى الطرق والدروب الخاوية  ، وربما استغاثت بمن يحملها الى الجانب الأخر من النهر حيث الطرق  الممهدة بالقار

سامحينى يا أمى لدى جدول وعلامات وملاحظ يشبه فى سحنته خازن النار ويومية مترجاه
سامحينى يا أمى ، ثم قفز على عجلته وقرع جرسها الرنان لتجلجل معه اصداء الدلو الفارغ وعدة النوم والشاى واحلام اليوميات التى تطوف على المخيلات المنكسرة
وتسلل فى الطريق ذو العفرة الهائجة

الثلاثاء، 27 يونيو 2017

عتبات الموت

    طعن مولانا الأرض بعصاه وقال إنها صالحة للدفن ، حفر فى الرمال لحدا صغيرا ، تلقفه بود عميق وإنفلتت دمعة من عينه الجدباء ، نظر إلى عجوزه ، ثم وهو يوارى الرمال قال سأضع مقامى هنا ، قال أوص أن أدفن خلفه ، وألا يعلم بمدفنه هنا أحد ، سيدفن  سره معى ومعك فى هذه الارض ، لكنه لم يكن يعلم أن الأرض التى إختارها  لا تحفظ سرا 
                                                   ( عتبات الموت)
      سمع صوتا
     همسا حسيسا يداعب بردعة أذنه ، ثم مالبث حتى صار صراخا كالنقمة وعويلا كفقدان الأحبة
     زجره الصوت ، كأنما شرط إبطه  بمطواة ، أو شفرة حلاقة علمت فى وجهه ، صرخ ،  قادم ،.
     متعبا كان ، ملقى فوق فراشة كسجادة وطئتها الأقدام المتسخة فسوتها بالأرض ، أقول كسجادة رغم أن تشبيها بأنثى تكالب عليها المريدون أنكى ، عاده الصوت صراخا متواصلا طافحا كالنقمة وعويلا مريرا كالفقدان ،،
    لم تكن المرة الأولى ، ربما ليست الأخيرة أيضا ، عند إكتحال الليل يأتيه الصوت ، كلما إشتد إكتحاله إشتد حصار الصوت ، زنّا فاقعا متواصلا يأكل أذنه ، قم ، تعال ، نريدك ، جبان ، نريدك ، تعال ، قم ،.........، قم ،. قاوم إجهادا كليا  ، تحسس فقرات الظهر ، توجع ،، حينما عاده الصوت صرخ فى غيظ  ، على الطلاق من هذه الميتة إلى جوارى  قادم ، وحينما لمح بطرف عينه الناعسة سيخا حديديا تحكم به زوجته إغلاق الباب قال سأضع السيخ المحمى فى مؤخرة الكلب .
    دوائر الوهم تضيق بسرعة ، تضغط فوق روح ملتاعة ، تركت جسدا مجهدا لهذيان النوم المقلق وأصواته المتكررة بشكل يلاحقه ، يحاصره ، يحيطه ،  دافعا إياه للتلبية الغشيمة ومحاولات الإستقواء البليدة ، قادم أيها العاص غير خوافا ولا هاربا أو متلكئا ، بل ثابتا كمن سبق من الأولياء إلى مصير جهم ،  قادم وسأضع السيخ المحمى فى المكان المناسب والتوقيت .
    سيلا بغيضة كحزن لا ينضب ، كريهة كرائحة العوز ، منفرة كالإنتظار والترقب ، فى شبابه كان يمقتها للدرجة التى تمرضه حينما يمكث بها أسبوع أو أكثر دون ترحال ، حاله يختلف كثيرا الآن ، يشقى فى الخمسين مثلا ويواجه عزلة داخلية مع خشونة العظام وإنزلاق غضروف الفقرة الرابعة  ، ثم قد سلم روحه الملتاعة وبدنه المجهد  للبلد البئيسة ، وليدة مولانا  سيلا الهارب من شظف العيش فى بنى سويف منذ اربعة قرون ونيف ، سلم روحه الملتاعة للبلد البئيسة تطهوه بالطريقة الأنسب لأسنان العالم الفج ، سيلا شريرة كالعاص ، من لم يمتثل إذ جاءه الصوت واضحا صريحا كالمحبة ، مجلجلا فعل الأمر داخل قبة السماء صريحا واضحا ناصعا كالمحبة فى عيون مراهقة ، لكنه أبق  ، العاص أو ربما أحد أبناءه ،  شيطان حديث السن  ، ربما أوعفريت قليل الهدف  والحيلة _  فى إكتحال الليل يقرض آذننا ، فلا مناص للفرار من الصوت سوى بالتلبية الغشيمة ، قادم أيها الخناس مسنا أو حديثا ، هيئ مؤخرتك . 
    أزاح الغطاء ، بص عن يمينه وتفل عن يساره ، إستعاذ من وساوس تحاصرة ليلا ، عند حافة الفراش إستجمع روحه المبعثرة بين منامات وكوابيس ، سمع الصوت مرة اخرى  كنوع من التأهيل النفسى ، لذا فى إمتثال وإصرار ربانيان قام وقبل النفاذ من باب بيته كان سيخ الإغلاق فى يمينه وتفل عن يساره
  شتاء عرس كالمتفنن فى إنهاك وطن وتكفير مخاليق  ، الثانية والنصف فجرا ،  ظلمات الدنيا تبيت فى سيلا البئيسة  ، تفرد بغض أجنحتها فوق البيوت الواطئة ، شجيرات النخيل المتناثرة ، كثبان الرمال المترامى عند الطرف البعيد ، تبيت الظلامات فوق سيلا ككلب أجرب وحيدا بلا مئوئ ولا نهار حزين يحك أنفه ، أزاح الغطاء وقام ، تخطى الشارع الجانبى ثم شارع المظلة العريض ، مأخوذا ، ثمة سحر يجذبه إلى هناك ، رغبة محبوسة للإنصياع ، عدا الفرار بالتلبية من زن الصوت فى أذنه اليسرى وتفل عنها ،، تقدم ، نريدك ، جبان ،.......، جبان ، تحسس الباب الحديدى وأزاحه ببطئ ، يشبه بابها الحديدى بوابة سجن دمو ، تراب المدافن  بارد ومثلج ، عجينة الشيطان ،  حسه حافيا حينما لامست قدميه تراب المقابر ، مسحورا للدرجة التى لم يبدل معها لباس النوم أو الإنتعال ، منصاعا للحد الذى غيب وعيه تماما ،  فالهائم على وجهه فى ظلمات سيلا إلى مدافنها متوكئا على قضيبا حديديا وبعض أحلام قديمة ، ومقاوما وجعا يتسلل فى خشية من الفقرة الرابعة الى باقى السلسة وعظام القفص الصدرى ،_ مغايرا تماما عن الإنثى المتكالب عليها المريدون ، أو السجادة الموطئة فوق الفراش إلى جوار جثة زوجة وبينهم عقم ووجع سنون ..  قال ها انا ذا ، عار من أردية الخوف ، كارها للنقمة ، ولاعنا خبايا الروح الملتاعة  ، قال ليكف الصوت فقد لبيت ، لاعنا عزلته  وإنزلاق الفقرة الرابعة والخامسة والسادسة ، ها انا ذا ، جئتك أيها المؤذ فانظر ماذا ترى ؟، لكنه  لم يسمع إجابة ،  صمت يرنو ، صمت ثقيل كآلام  المفاصل والضمير ، تقدم قليلا ، شواهد القبور قباب الجحيم الأبدى ، سراديب العصاة والمردة ، معقل الشيطان الخناس العاص ، والعفاريت حديثة الشر والخيبة ، ثم ظلمات الدنيا البائتة فى سيلا ، الفاردة اجنحتها البغيضة عند البيوت الواطئة والكثبان عند طرفها ،  الثانية والنصف فجرا وبرودة الشتاء العرس تفتت فقرات الظهر المنزلقة  ، ثم صوت المؤذى يطن بالأذن اليسرى مذ قام ملبيا وتفل . ها انا ذا غير خوافا ومتماسكا رغم ما يبدو  ، لبيت وسأضع السيخ المحمى فى المؤخرة المناسبة والتوقيت ، سأتحين اللحظة وأدفع السيخ داخل تجويف الكلب الآبق دون اى تردد ،، لم تكن هناك اى أصداء فعل ،  لم يكن سوى الصمت ، يجثم  فوق القبور وأمام شواهد أصنامها المعبودة  ، صمت مغموس بصراخ الموتى على عتبات جهنم ، المماطلون فى الحساب والمتنطعون والخبثاء ، صمت القبور ملعون كالشيطان الآبق ذى المؤخرة الوسيعة . 
  صوته يصطدم بالشواهد ويرتد خائبا ، هزيلا مجهدا حافيا  يرتد الصوت إليه ، غير عابئا بتفاصيل أخرى محيطة ، إنسانا سمع نداءا  فلبى  ، لم يكن مجرد نداء ، سرسعة متواصلة تشرط الإبط او تعلم فى الوجه ، قام ملبيا مع إمتثال ربانى وإصرار لا يأتيه كثيرا ،  لو تريث ما استحقت اللحظة وجع الرصد ، لو تريث وعمل عقله لكفانا وجع رصدنا هذا ، أقله بعد أن تخلت عنا مذاهب السرد وتركتنا لتيه الرصد ، يأكل منسئتنا وعكازنا ،  لكن هناك ، فى قعر روحة الملتاعة إستقر أمل ما ، أمنية ما ، رغبة محبوسة مع سحر أخاذ ،  أذنه اليسرى هل تبينت نعرة الإستفزاز والكبرياء المتعفن بالغرور فى الصوت المنفلت من بقايا الكفر ،  أذنه اليسرى وتفل _ هل شمت رائحة معصية الكلب فى الصوت الزنان ، رغبة محبوسة وسحر يغالب المعطيات وأمل مخاتل ألا يكون صوت الرفض الأزلى ، صوت المعصية مع إنزلاقة الفقرة الرابعة ، على النقيض تماما ، ثمة رغبة جوانية أن يكون صوتهم هم ، ونظر غير بعيد ، فى هذا اللحد محمود لطيف ، وفى مدافن النسوة هناك أميرة لطيف وغيرهم كثير ، كل مرة تدفن أحد اقرباء روحك كان يأخذ نصيبه من قلبك ، حتى صرنا أحياء نشقى فى الخمسين بلا قلوب ، ولم نجد ما يملأ فراغ صدورنا سوى الكراهية نقتات عليها ونجترها فى الليالى البغيضة ، ثم نكمل  طرق النقيصة ،، لعلنا بكيناهم قليلا  ، لعلنا حزنا وارتسمت على ملامحنا المسحوقة بعض إشارات الفقد ، لكننا نسيناهم كما نسيتنا الفضيلة هناك على حواف ما تبقى من سيلا فى قلوبنا ،، أو أنسيناهم الكلب العاص رافض الخضوع وهو يهيئ لنفوسنا المريضة بالتواكل فضائل ملاعبة العالم الفج باسنانه الحادة المقرفة ، ومقتنا الموت للدرجة التى كرهنا فيها مقابرهم حتى سميناها قرافة
نهاية محتومة ومصير أبدى  ، فى حدث من إخراج الآمر الأول  ، مطلق الصيحة الأولى حيث تفترق الطاعة عن المعصية ويظل التفاضل متماسكا لآخر حروف الكينونة  ، حدث مقيت كسيلا النابتة على أطراف الخطيئة ، دون أى معنى وجودى سوى ترهات ،شيخ هارب يدفن كلبه البأس ويضع ضريحا ومقام ، نظرات توهى لعشاق العالم المتخابث ، الحياة الموجعة ، إغتراب السيلاوية المأخوذ من غربة مولاهم الكبير صاحب المقام مكشوف الغطاء ومرفوع الهامة فى لحده تحت القبة الخضراء ،، باصا مد بصره ، طاعنا الرمال بعصاه متأكدا إنها صالحة للدفن ، من ثم تصير البئيسة مدفنا كبيرا متسعا لحقد موتى بعضهم لازال حيا يمارس الحياة بخسة ، حدث كسيلا النابتة على أطراف المعصية  ، المغموسة روحها البغيضة بالغل والشر يرتق عالمها ، حدث لا فرار منه الا إليه ، لا مناص منه إلا إلى حضن روحه المتعفنة كبقايا المجرمون يعيد تقييم إنسانيتهم المفقودة فى ظلمات سيلا ، كثبان سيلا المترامى على حوافها  كسؤال مباغت عن العدل  ، عن إمكانية التوقف وعدم الإستمرار ، عند مفترق الإنخداع النفسى ، ونكمل فى عالم آخر ، حياة أخرى ليس بها روح ملتاعة كهذه  وحدث آخر لا يضنيه العوز  ، زعق ، قال ها انا ذا ، وحيث اننى رافض فمن الأولى وإختصار للوقت وتقديما لما سبق وتأخر حتى تجنبه الصواب .....، كل الأصوات يلوكها الفراغ فتصير صمتا قبوريا كالنطاعة ، عدا الصراخ بأذنه اليسرى تلك التى تفل عنها ،  تقدم قليلا ، بص على اللحود وقال هامسا ،هل ناديتم ، ثم مكررا وبود لا يتساوى وخشونة اللحظة ،  تشعرون بالوحشة والإحتياج لمحبة ميتة ، توحشت الحياة بعدكم وصارت سيلا مقبرة كبيرة ، ثم زعق ، إنها قبرتنا جميعا ، أمواتنا وأحيائنا وحياتكم ، أنظروا ، وقلب كفيه ، قال على الطلاق نحن موتى لم ندفن ، نحن موتى نتكلم ونأكل وأحيانا نمارس الغل ، نتبادله كاللوم فيما بيننا ، ثم يحسبونها علينا حياة ،  تنهد ، تاه فى أمنية ،  ثمة درجة معينة من الرجاء يصبو إليها ، متنمنيا لحظة إنكشاف ربانية لا يختلط فيها الحلم بالأسطورة ، لا يختلط الإيمان بحبات النفاق المتدلية من شجرة الطاعة ، إنما أن ينزوى القبح عن وجعنا ولو نصف يوم ، نصف خطوة ، نصف أمل ، ما نحتاجه من المعرفة يتكور أحيانا فى  أقل من نصف خطوة ، نصف يوم ، نصف ساعة ، نصف لحظة ، كابوسية خانقة أو مضيئة و كاشفة .


 فى هذا اللحد محمود لطيف ، وفى مدافن النسوة هناك أميرة لطيف وغيرهم كثير  ، والده ، من لا  يفارق مقعده فى البيت إلا طاعة _ ملئت رفات أبناءه القبور  ، وباستسلام مهين وشبه إتفاق تركناهم  لوحشة القبور ببواباتها الحديدة الشبيهة ببوابة سجن دمو ، ورغبات فى طى الماضى أو التبول فوقه ،، ثم  تمسكا  بأمل فى الخلود ، ورغبة  فى مراقصة العالم الفج والهروب من أسنانه المسنونة ، فى هذه المقبرة عم سيد وعم رجب وحماى وجدى محمد وجدتى آمنة ، وغيرهم كثير ، دفنتهم مقابر سيلا بسهولة ترتقى لحد التواطئ والقصدية ،
هل سمع ترحيبا وهو يخطو حافيا فوق ثراهم  أم أن طنين أذنه هيئ له  ، نظر حوله ، لم يكن هناك سواه ، ورائحة عطن الموت تؤنس ألم روحه الموجوعة  ، ثم صمت فج كالبغاء ، نبش التراب بيده ، بطيئا أول الأمر وكأن فى قاع روحة مقاومة ما ، ثمة رفض وتردد ،  ثم صار ينبش التراب مسرعا كمن يوارى خطيئة وعلى الطرف غراب أسود ، يطعن اللحد بقضيبه الحديدى ، يفتت التراب ويزيحه بيده اليمنى ويتفل عن اليسرى ،  يزيح التراب  محدثا عفرة تعمى عينيه الباصة بتوجع ، رائحة عرق منتنة مع عفرة المقابر عظام الفانون ولحومهم الصايرة  تراب مثلج وهواء خانق ، عجينة الشيطان ، تعمى عينيه المرتقبة بتوجع  لحظة انكشاف ما ، بنصف خطوة أو نصف أمل ، أو نصف  رغبة أخرى فى الإنكشاف والتواصل ، فى إعادة تدوير طاحونة الزمن للخلف ، ربما إلى قبل أن تطحنهم منذ سنون ، نبش المقبرة حتى هيئ له حجرا أسمنتيا مدفونا ، دفعه بيده ، ثم تسلل الى الداخل كلص ، هواء المقبرة متعفن كرفات الأخ الذى لم يتبقى منه إلا أربعة عظام تتوسطهم سلسة وجمجمة فى الأعلى ، حفظهم من قحط  اللحد كفنا مهترئا ، تبينهم فى الظلمات بصعوبة ،  إقترب من الجمجمة وهمس  ، هل ناديت يا أخى ، أدار أذنه اليمنى علها تلقف الصوت المنتظر ، هل ناديت ، لكنه لم يسمع صوتا ، أكنت تظن أنه سيحدثك ، يحتضنك ويقبل وجنتيك ويقول معاتبا لماذا لا تأت ، كلهم يأتون يا قبيح القلب ، أم تنتظر أن يبتسم فرحا بحضور روحك الملتاعة ، تتحرك عظمتى وجنتيه وتنفرجان لتبدو نصف ابتسامة ثم تلتقطان سيلفى ، ابتسامة وسيعة مع انفراجة عظام جمجمته التى تتقافز إبتهاجا فوق كفك اليمنى ، وهاتفك فى اليسرى وقضيبا حديدا لإحكام الإغلاق أو النفاذ لعمق الشيطان الرجيم ،  ثم يستفيق فيكرر، هل ناديت يا اخى  ، وحنين قاتل يدعس روحه الملتاعة ، يسويها بأرضية اللحد لكنه يعيد السؤال مرات ربما  ليخلى ضميره أو ربما ليعيد التنقيب عن مقلق نومه الأبدى بجوار الميتة على فراشة ، رغبة مدفونة فى إسترداد نصف قلب مدفون ، نصف أمل ، نصف قدرة على الإستمرار ، نصف ألم يشعرك بحياتك ،  هل ناديت يا وجع روحى ، لم تكن إجابة ، ليس هناك سوى الصمت البغيض ، صمت وحدوى حقير باعث على التشوف والاستهزاء غير خال الا من صراخ الشيطان ، قم ، تعالى ، تقدم ياخائب لن نعضك ، وألم كامل يتسلل مع وجع روحه من الفقرة الرابعة الى أعلى . 
نبتنا بين معصيتين  ، من عصى أمر السجود ، ومن اطاع جوع روحه ،  ثم انجرفنا ، خطيئة خلف اخرى ، حتى إنقسمت ظهورنا ، او على سبيل التحديد أزلقت الزنوب فقراتها ، حتى صارت نعمة الغفران  أمنية ودعوة أم سحرت  بالسجود .
نبتنا بين معصيتين ، من عصى أمر السجود ، ومن أطاع جوع روحه  ، وإنجرفنا ، معصية خلف أخرى ، تصير الروح بلا  أى معنى إنسانى ، تحيطها المعاصى ، لتصير بيتا للذنوب ، لحدا للمعصية والخسران المبين  ، روح نذلة تخون العيش والملح ، تدفن قلبها الميت بلحود قاسية وتهيم كالخشب المسندة شاقية بالخمسين وقد علمت الحياة فى وجهها بشفرة حلاقة أو شرطت إبطها بمطواة ،..  مخدر تماما ، مأخوذا ، لا  يملك أى وعى لتفاصيل مخيبة ، يعيد السؤال حائرا ، باصا لجمجمة الأخ ويتذكر آخر هناك بسجن دمو ، هل ناديت ، ويتناول الجمجة مقلبا وباحثا ربما عن وحشة صوت أو إبتسامة أو إيماءة بالموافقة ، ثم يعود إلى وعيه قليلا فلا يصدق أين هو وأى سبيل جاء به فى الثانية والنصف إلى مدافن سيلا الممتلئة برفات قطاعى الطرق ولصوص الحمير ،  الصبر يا ملهم أروح الغرباء ، ويكرر السؤال للجمجمة بين أصابعه المرتعشة وينظر حوله قليلا وينظر الى نفسه ثم إلى عظمات أخيه الأربع ، ثم يتمدد بجوار الرفات ، الى يمين باب اللحد ناحية القبله يتمدد ويصرخ ، هذا أنا إذا كانت هذه إرادتك ، لا أملك قلبا يخضع ل لعنة الحياة فلا تغتر ، وتمدد حتى يأس .
 ما أزلق فقرته الا الكبرياء يضاجع روحة المغموسة بالنفاق والخسران المبين ، مجلجلا فعل الأمر فى قبة السماء واضحا صريحا كالحسد فى عيون بائس فما لبث اللعين إلا أن يتوجع ويتحسس فقرات ظهره ثم يدعى النبل ، و الآخر يطيع  جوع روحه فتصير منسكا ، يتلوى جائعا مترددا متخابثا يزج بضلعه داخل مؤامرة ، أبناء المعصية يخشون الموت ويرفضون الحياة ، يبحثون عن نصف بهجة ، نصف أمل فى كون وعالم ووجع مغاير ، حينما تناديهم الرغبة فتضلل فكرتهم عن كنه العالم المتخابث ، لا حب ، لا إبتسامة يستحقها العالم ، بؤس ممتد وكثيف إذا أخرج يده نالت المعصية من ضميره ،. تمدد الى جوار رفات أخيه ، ظلمات بعضها فوق بعض ، ممتدة وكثيفة ، كراهية ومقت وازدراء بعضه فوق بعض ، بقعة النور فيه وهم كبير ، تمدد بجوار رفات أخيه ، تمرغ فى أرضية اللحد مغمغما ، مصير محتوم ، ثم إحتضن رفات الأخ  ثم أغمض عينيه و مات قليلا ، نصف ساعة ، نصف أمنية ، رغبة فى المعرفة والتواصل ، فى الإنكشاف والإستنارة ، نصف حلم ، نصف وجع ، نصف حياة أو نصف موتة ، أى محاولة لحصار الألم الممتد من الفقرة المنزلقة والصاعد إلى فراغ الصدر ، أى محاولة لحصار آلام الفقد التى لا تنتهى ، تتزاوج وتتكاثر لتحيل الكائن منا إلى شئ ، تمثال فرعونى تافه داخل مقبرة أو لحاء شجرة فى العراء يضاجعة المناخ الرطب ، يتحول الكائن إلى شيئا سطحيا تافها على هامش الحياة ، دون أى رغبة فى أى فعل ، ملاعبة العالم مثلا والإنزلاق  بين أسنانه المسنونة ، فتح عينيه غاضبا ، من كان ينادى إن لم تكن أنت ، ولا هو ، أريد أن أعرف ، أشقى فى الخمسين بجهلى ، لعل  المعرفة تعيننا على هضم وجع الحياة ، وعقم الحياة ، من ضن بالمعرفة التى تعلمها الأب حين كان هناك . وأشار للسماء .
غاضبا ينكت أرضية اللحد بقضيبه الحديدى ويجمع شتات عقله المبعثر فى خلوات المدافن ، يريدنى هنا ، ويريدنى حيا شاهدا ويحب جهلى ، تحسس وجع فقرته الرابعة ، خيط من الوجع ينفلت إلى فراغ الصدر دون رحمة ، يفتت عظامة مع برودة الشتاء ، أمال ظهره إلى الأمام متحاشيا ومسايرا الوجع ثم لمعت عينيه حينما إنتبه أن ثمة قصدية فى الأمر ، حينما انتبه وهو شبه راكعا ان هناك قصدية ، الوجع فى الفقرة الرابعة ، ظلمات الدنيا البائتة فى البلد النارش ، النداءات الموقظة لموتى الفرش الرخيصة ، مولانا سيلا الباحث عن أرض جديدة للحياة ، مولانا الذى يبدأ إعمار سيلا بدفن كلبه أسفل عتبات ضريحه هناك على بعد أمتار معدودات كلحظات الفرح فى عمر الشقاء ، لم يقو على الإنتصاب ، كان الوجع فى فقراته يشتد للدرجات الأخيرة ، مطارق تفتت عظامه ،  زحف خارجا ، ساخطا معاندا الوجع الذى يعصر عظامة ويحيله راكعا تارة و ساجدا تارة اخرى دون أى مقدرة على الإنتصاب والوقوف ثم إخراج اللسان للمخاليق الأموات والأحياء بلحود سيلا البيئسة حاوية الشيطان الصارخ فى الأذن اليسرى ، قم ، تعال ، تافه ، ومتعجرف ، وحقير،، حقير ،. ينكت قضيبه الحديدى بالأرض ويجر جسده المنهك خارج لحد أخيه ، يتمرغ بلباس نومه زاحفا ، متعرقا ، منهكا للنهاية ، أنصاف  خطوات أخرى ، يصير فوق عتبات مقام الشيخ سيلا المدفون منذ قرون ونيف ، يطعن الأرض بقضيبه ويزيح التراب محاطا بألم الفقد والكراهية تأكل روحه ، يطعن الأرض منتقما ، كراهية مستمدة من عجينة الأب الأول ، مغمغما ، انا هنا ، لا اخشى لعنة الموت ، ولا افضل لعنة الحياة ايضا ، ، طعمها نيئ فى حلقى ،  يطعن الأرض كمحارب فقد كل أصدقائه فى ساحة  المعركة ، ولم يستسلم بعد ، .
 الصراخ فى اذنه اليسرى ، مطواة قرن غزال حامية تشرط إبطه  ، شفرة حلاقة تعلم فى وجهه ، يصرخ طاعنا الأرض بقضيب مخصص لإحكام الإغلاق ، يزعق مؤكدا إنه لا يخشى الموت ، إنما يضنية الحنين ، يطعن الأرض ويزيح التراب ، حيث لا ضوء فى مدافن سيلا الشائهة ، ظلمات بعضها فوق بعض ، تبيت فى سيلا من دون كل القرى الأخرى ، تفرد بغض أجنحتها فوق البيوت الوطيئة ، شجيرات النخيل المتناثرة كشواهد ، كثبان الرمال عند الطرف ، ظلمات وصراخ شيطانى يأكل الأذن اليسرى مهما تفل  ، دون أى إستكانة أوهواده ولو رمزية ، انه حتى لايحترم غضروفه المنزلق بتواطئ قصدى ، يطعن الأرض أسفل عتبات ضريح مولانا سيلا ، يزيح التراب معاندا وقد فتتت برودة الشتاء العنيد ماتبقى من فقرات ظهره ، يهدأ صوت المنادى قليلا ، ربما توارى خلف صيحات القضيب الحديدى وهو يلج الثرى اسفل عتبة المقام ، او متواريا خلف غمغماته هو ، طاعنا الثرى ، جئت ، وسأضع السيخ فى المؤخرة الوسيعة ، لن يمنعك منى شيخا او مقاما ، يطعن الأرض ، ينكت السيخ فى الأرض فيفتت ثرى عتبة المقام ، مغتاظا ، حتى يتبين له صوتا جديدا ، يتلقف قضيبه وبسرعة ألية  يرهص أذنه اليمنى ف اليسرى أكلها صراخ الشيطان ، يرهص السمع ، ليتكور الصوت عواء صريحا يشتد كلما طعن الأرض بقضيبه ، ضحك  ، تساند على قضيبه ، تمالك روحة الملتاعة وجسده المجهد وحاول الوقوف ، كان متعرقا ، بالأحرى معجونا بعفن لحود سيلا ، رفات أخوته أو رفات لصوص الحمير وقطاع الطرق ، المماطلون فى الحساب والمتنطعون والخبثاء ،  يرتجف فى البرد وترتعد مفاصلة التى أذابها إنزلاق الفقرة الرابعة ، بص إلى السماء ، ألى اللحود المبعثرة هنا وهناك فى صمت شائه دون أى نسق ، إلى مقام مولانا سيلا الباحث عن مدفن جديد غير مدافن بنى سويف ، نظر الى الأرض ، ثرى الأرض المعجون برفات الشياطين أمام المقام ، رفات كلبه مع عرق المتمسحون بالضريح ، الباحثون عن مغفرة ما لزنوب تميتهم كل يوم ، كل ساعة ، كل لحظة ، طعن الأرض بقضيبه ، ضحك صائحا ، قال انها مازالت صالحة للدفن ، متفاجئا قال بعد اربعة قرون ونيف منذ الدفنة الأولى ، ثم مسترسلا ودون توقف عن طعن الأرض وازاحة الرمال قال كانت لدينا بعض شجاعة وحب ، خوف انسانى خالص ، طموحات قديمة ، أحاسيس مخزية بنقاء العالم ، ترقب  وأمل ، مشاعر لم تعد صالحة للحياة ، ظل يطعن الأرض ويزيح التراب  وهو يرتعد وجعا وبردا دون سلاما  قال لست فى حاجة إليها ، ضحك ، قال تذكرنى بإنسانية مخيفة .
ظل يطعن الأرض ، توارى صوت المنادى خلف عواء الكلب ، غمغمات الطاعن المرتجف وجعا مع إندفاعة قضيب الإغلاق مبعثرا ومزيحا الثرى أسفل عتبات مقام مولانا
 كان واضحا أنه يحفر لحدا

الثلاثاء، 6 سبتمبر 2016

لون الارض

مؤخرا هج طيفك محبوبتى ، مؤخرا يجثم فوق انفاسى كابوس لأنثى سوداء ملتهبة كجهنم ، أعاذك من سواك كالبحر ، لكننى لازلت اطمع فى التغيير ،( نفسى اجرب البلاك يا حبى ) ، يزعمون ان مرة عمياء كفيلة بمداواة الوجع ، ووجعى اخطبوطى ينتشر ويتوغل ويلسع ، انا المحب الساقط من عين اله العشق على أى حال ، أتدثر برغبتى وعشمى ، اطوى مقاصدى الموبوءة بالجشع ، وأشد رحالى لعينيك الصافية محبوبتى راجيا متعشما أن تهبينى القدرة والعزم لاتخلل دروب أنثى كجهنم حين يشتد لهيبها ، معتمة كالقلوب الفارغة من الأمل ، سوادها يكحل العين ، تشبع الولع ، تفرق المناكفة ، تهب انصبة المحبات ، سوداء معتمة كليالى فراقنا يا محبوبتى وملاذى ، هج طيفك بينما تلذذت بانثى ملتهبة تقتحم مخيلتى ، تعاشر وحدتى وسكونى ، تحلف بلون الارض ومتعتها انها تبرئ الاكمه وعلات القلوب الفارغة من الامل والمحاطة بالتوسل والاستهزاء ، انثى سوداء ملتهبة كجهنم يا حبى ، مللت اللون الواحد والوجع الواحد والحب الواحد وخيالات القلوب المريضة بالنفاق

الأحد، 13 مارس 2016

قهوة سادة

اتفاق وهمى بينى و نازع الارواح الوهمى لم اكتشفه الا حينها ،
عندما يداهمك ذلك الاحساس الطاغ بأن هناك كائنا ما خلفك ، يترقب خطواتك ، يعد انفاسك ، فى اللحظة غير القابلة للتكرار سينتزع روحك ويتركك على جانب الطريق ملقى بغير روح ، يداهمنى ذلك الاحساس ، يظل ضاغطا على قلبى ، فى كل خطوة ، مع كل نفس يخرج ، اقطع طريق الخارج من نفق الازبكية بحذر يرتقى الى التوجس ، الموت مرتعبا من الموت فى البدن ، اقطع الطريق متلفتا يمينا ويسارا ، سيارة ما من اللاتى يلفظهن النفق ستدعس بدنى وفى لحظة فانتومية ينزع النازع روحى ويتركنى هناك لتسويتى بالاسفلت فيما بعد ، فى غرفتى المقبورة بحى السلمانية وراق العرب ارتخى فوق سرير متهالك واتخيل الخبيث ينشب اظافره فى صدرى فيقتلع اللوزتين ويحرق الرئتين ثم ينتزع النازع روحى ، وداخل مقهى السلمانية الرابض بشراسة على ناصية الحى اشرب قهوتى السادة مدركا مع كل رشفة ان فيروسا ما سيتعلق بشفتى وينزلق الى الحلق ثم ما يلبث ان يصمد هناك رافضا التزحزح حتى مع سعالى المتكرر ومساعدة رواد المقهى بالضرب اسفل عنقى ثم الفظ النفس الاخير وينتزع النازع البائس ما جاء لانتزاعه ، حالا او بعد حالا بقليل ، يضغط الاحساس على قلبك ف تتهيئ له ، تصلى قليلا من فروضك المنسية وتتدعى الخشوع ، تصالح نفسك و اعدائك ، تجعل رنة موبايلك سرينة اسعاف ، ثم ترتخى قليلا فى انتظار اللحظة غير المتكررة .
لكنه لم يأت على الاقل حتى تدوين النص ، رغم انه يظل مداهما ضاغطا فى استبسال غريب وجاثما فوق صدرك وتظل مستكينا مستسلما فى انتظاره
ولما يفزعك الرجاج وتوالية ناعقة سرينة الاسعاف فى موبايلك تدرك ان ثمة اختلاف حدث
- نعم ... نعم ... من تقصد
 وتدرك ان الموت آثر احدهم مخلفا اياك لدورة اخرى ، اخيك الاصغر ، دعسه شاب ارعن على الطريق الدائرى فسواه بالاسفلت ، استلمنا اماناته وما تبقى من امانته ، دفناه فى محل ولادته ، بكينا قليلا حتى دعسنا النسيان فنسينا ، ثم قابلنا الحياة مرة ثانية بصدور عارية مفتوحة للعالم بلا ظل موت يداهمها ويضغط عليها ويجثم ، ادرك بعدها ان احساسى بملاحقة الموت  قد اختفى تماما وان هناك شبه اتفاق وهمى بينى ونازع بائس  بموجبه انتزع روح اخى الاصغر تاركا روحى لجولة اخرى .
هكذا يمكن للاتفاق الوهمى ان يتكور ويتبلور وتتضح ملامحه المقيتة وان يدرك الواحد حسبته وما فيها من  الوساطة الممزوجة بالانانية العفنة ، جولة خلت ووجب طمسها ونسيانها تماما ، حتى دخول الجولة التالية ، فتعاودنى مشاعر الموت بعد عام او اقل قليلا ،يحلق فوق رأسك تماما ، يحاصر روحك المريضة بالخوف والتشكك ، تبيت متأكدا ان ما يفصلك عنه الا فاصلة كهذه ( ، ) اعود للفروض المنسية مدعيا خشوعا اكثر رجاءا واغير رنة الموبايل ثم اهيم على وجهى فى دروب الريف الفيومى كأى ميت حى ، حتى تبدأ الجولة فاتمسك باتفاقى والنازع البائس .
 الاخت الكبرى رغم انها اصغر سنا ، احست بألم ما فى صدرها ،  نشب الخبيث اظافره المتسخة فاجتثها ، تحايلنا كثيرا على مستشفيات السرطان حتى دعسنى الطبيب بالخبر المفجع
- ايام قليلة ، تحمل مسئوليتك ولا ترهقها بالمجئ ثانية
ييبتسم النازع فى تشف ،اسنان صفر متهالكة وبيئسة تبان من فمه الغليظ ، فى تشف يبص ويبتسم ويؤكد ان الاتفاق الوهمى باقيا كسد منيع وان الجولات الفائتة زادته قدسية ، الواحد المستسلم المستكين فى نهاية الامر لا يجد بيديه ما يقدمه سوى العجز المقيت العاجز او العجوز ، يقينا نحن فى مختبر ما ، حقل من حقول التجارب ، مجرد فئران بيضاء صغيرة والنازع الوهمى يبدل توقيتاتنا كيفما شاء
وكالعادة يضغط علينا النسيان فننسى قصدا ، نتوه فى مسالب المختبر ، سواء فى الغرفة المقبورة بحى السلمانية او بشوارع الريف الفيومى المنسى ، ينغمس كل فأر فى حاله وينسى كل الجولات قصدا صريحا .
 قل عام ، اثنان ، ثمانية ، عد ماشئت وتذكر دائما ان النازع البائس سيداهمك فى لحظة ما ، فانتومية وغير مكررة ، ربما خلف سيارة شاب ارعن على الطريق الدائرى ، او مع خبيث ينشب مخالبه فى صدرك فيحرق اللوزتين ، او مع فنجان قهوة ساده يتسرب الفيروس من خلاله فيعلق بحلقك ، نضغط بالنسيان فننس ، حال مختبر الفئران ، حتى تعاودنا رائحة الموت ، تحاصرنا مع كل خطوة وفى كل نفس ، فنعاود الصلاة المنسية بخشوع تلامسه الكراهية  ، ونلجم انفسنا البيئسة بتصالح روحى زائف ثم نجعل رنة المكالمات دعاء ولوج المدافن و للرسائل سرينة اسعاف مكتومة ،
 عادنى ذلك الاحساس القديم وجثم على انفاسى ، الموت رعبا من الموت فى البدن ، ترى على من سيكون الدور ، شامتا لزجا بائسا وبئيسا واجهنى النازع مباشرة ،درب صغير متفرع من حارة النفس ، زاوية مسكينة ومستكينة ورابضة هناك قانعة بما استلبته من الحارة ، واجهنى وجها لوجه نازع الارواح فيها وفى ليلة سوداء كالحقد ، 
- قلقت على روحك فجئت للاطمئنان
 لم يعرفنى بنفسه وقال انه يعرفنى وانه جاء خصيصا من مهربه لتنبيهى
- عش ولا تخف ، بيننا اتفاق
قال ان الجولة رغم دنوها لم تبدأ ، وان دورى ان اقدم فى وجبته احدهم وهو يمنحنى بعض شهور اخرى . 
افتش فى ذاكرتى ، بعض احلام خبيثة وزوجة واب وام واصدقاء بلهاء ( اتناسى الولدان قصدا )
 - لديك اكثر ، نطمع فى واحدا لا اكثر وبيننا اتفاق
يقول النازع ويبتسم مبديا خفة سمجة واسنان صفراء متهالكة فى فم مقبور ، اعيد التنقيب فى خيالاتى العيانة ، مخرجا فى درب منطوى من حارة نفسى 
افتقد طعم الحلم فى منامى مؤخرا ، الايام المارة كسهم منفلت صارت متباينة الطعم والرائحة ، معتادة وآلية تتوالى وتنفلت ، ما اسعد المتغيرات وما اقلها ، كأن الواحد ابنا للخلاء ، الفراغ الانسانى هو شغله ومسيرته منذ لحظة الانفلات الى الانتزاع ، نبيع علب الوهم ونشتر الكراهية والفارق مليمات لا تشبع فى ظل ارتفاع الدولار 
ساحاول تنميق النص فيما بعد ، اقص الحالة المكرورة واشذب اطرافه ، لتعميق رؤية ما صارت لا تأتينى  حين جفاف الاحلام  
 بص النازع لروحى وقال ان الساعة تجاوزت الوقت المسموح ، وان القرارات ليست بالصعوبة الظاهرة ، متغابيا سألته عن المطلوب بدون مواربه فكرر ان الوقت ماعاد سمحا و ماجدوى افهامى اذا تبلدت
بص النازع لروحى وبص فى ساعته ، قال ماضيا اختر احدهم بنفسك هذه المرة والا فشل الاتفاق ، قبل مضيه سما ولدى وزوجتى وابوى وعرج على الاصدقاء ، رمضان ، عصام ، حمدى ، اختر واشتر بعض شهور اخرى وسنكافئك ايضا
ومضى ، انفلت هاربا الى الحارة الوسيعة من ثم الى مربضه فى سفليات الارض الطاغية
انزوى فى مقهى السلمانية متدثرا ببعض أمل ، اعبث مع الذكريات المقيتة ، اخى الذى اغتيل غدرا بسيارة رعناء ، والاخت التى نهش السرطان ثديها وشوه روحها الجميلة ، وقديما جدى الذى نحر طلبا لثأر وابن عمى الذى مات مغتربا ومحبوبة دفنت فى عز فتنتها عند زوج آخر، اللائحة كبيرة والرفض ولد الكراهية اكبر وما عادت الروح البيئسة تحتمل عودة الدورة الكابوسية ،حين تزوم كمحرك مكتوم لعربة هائجة رعناء ، خبيثة كسرطان ، او فيروسا يعلق فى الحلق مع كوب قهوة سادة ولا يخرج قبل مرور الروح علية فى طريقها للانفلات .
 من باع نفسه للوهم لقاء بضع سنون وحب ضائع وامل مخاتل ، من يتبادل معى كراهيتى واحتقارى للمسافة الفارغة فى عمق احلام خرفة ، مخلفون للموت والنزاع ، رباية النازع ، يقطف زهرتنا فنسقط ، يسوونا بالاسفلت فيما بعد ، وينبت جيل جديد ، فئران جديدة تحب المختبر فتتفق مع النازع
- القهوة يا استاذ
يفاجئنى الصبى ذى الملامح المتعجرفة ، باصصا فى حقد مبديا خفة دم لزجة ، انظر  للقهوة ، انظر فى القهوى ، انظر جيدا ، وابص للولد ، صبى مقهى السلمانية المبتسم فى غل مبديا اسنان صفر متهالكة ، اعيد النظر للقهوة السادة فى كوبها المتسخ 

لعن الله الجمال الانسانى وحب الحياة ، بخيل ووقح هو العالم المريض المتصارع ، المجد للرهبة والخوف والحقد الغض ، وسحقا للساعات الحزينة
وانظر للقهوة السادة الا من وسخ كبايتها
امعن فيها النظر جيدا

السبت، 23 مايو 2015

الانفجار الكبير

     ما العالم إلا مفرخة بيض كبيرة
وما نحن إلا بيض  مرصوص بعناية بالغة داخل أرففها
بيض كثير نحن يا سيد ، ألقتنا الحياة فى المفرخة ورصتنا يد العامل بعناية ، فى انتظار الفقس والأفول


    هجرتنى زوجتى  منذ عامين تقريبا ، بالضبط سبعمائة وثلاث وثمانون يوما ، أخذت طفلى بن الأعوام الثلاثة وطفشت ليلا ، ثمة تأكيدات أنها تزوجت فى البر الغربى ، تزوجت ، نعم تزوجت ، طلقتها ، لم أقل ذلك ، قلت أنها طفشت وتزوجت فى البر الغربى  ،ورغم ذلك  لا أبكيها كثيرا ، كل مايهمنى فى العالم هو طفلى الذى لا أستيطع التمتع برؤياه والتواصل معه ، عامل بمفرخة بيض ، هو أنا ، أستلم البيض الجديد ، أرصه بعناية بالغة داخل الأرفف ، أدون تاريخ الدخول والتاريخ المتوقع للفقس ، أكنس القشر والمخلفات الناتجة ، عامل بمرخة بيض هو أنا ، ذلك الذى يرى أن العالم ما هو الا مفرخة كبيرة ، وما نحن يا سيد سوى بيض مرصوص  
 مرتان أترك المفرخة وأذهب هناك ، أترقب الطفل من بعيد وأكتف بهذا ، ماداما سعداء فما يضيرنى ، هذه هى اللعبة الحياتية أيها السعداء ، أى دجاجة لا تجد القمح تظل تنبش الارض ، وهى نبشت بأظافرها ووجدت قمحها ، رجل شرطة عجوز وذو بطش وسلطان حتى انى ما أقوى على المطالبة بحق طفلى فى الانتساب إلىّ ،  دعك من مشاعرى فهى خائنة كزوجتى  وخلونا فى العقل ، فلا مشاعرى ولا مشاعرك ترتضى أن ينسب طفلنا لغيرنا ، ونفقد كوة الحنان والدفئ الإنسانى ، لكن العقل لن يساوى أبدا بين عامل بمفرخة بيض وبين رجل بوليس نظامى ويده طائلة

البيضة يا سادة هى بداية العالم ، وأفوله ينتهى بالفقس والانفجار ، كل بيضة لها عمر محدد ، ربما يقل أو يزيد قليلا ، والاعمى هو من لا يرى اختلاف البيض من حيث سماكة القشرة ونصاعة البياض ،  بيض دجاج ، بيض رومى و نعام بيض مختلف طباعه وصفاته ، ما نحن سوى بيض مرصوص يا سيد

فى ضلالهم القديم يترقب الفتيان بزوغ العالم القهرى ، الحياة مظلمة المؤمن وعدالة الكافر ، ما عاد للأيام طعم  ، وما المر فى حلوقنا إلا بقايا قشر متعفن ، سأخبركم حكاية صغيرة عن بيضة جأئتنى ليلا وخلعت قشرتها ثم راودتنى عن نفسها أنا البائس على أى حال ، تركت البيضة قشرتها وغنجها ثم غارت ، الألوان فى العالم تصر بغباء على الثبات ، والحكايات التافهة تتدلى كمشنقة ا

خيط صغير من الألم أحسه من أسفلى ويتسرب مرتفعا لأعلى ، وجعا أتحسسه من منبت ذكوريتنا ويتسلل متخفيا لأعلى ، قالت إن الحياة فى كنفى صارت نوعا من الهزيان ،  وإن علينا الافتراق بهدوء وتقبل الأمر بشجاعة ، وأنا نظرت لطفلى ولم أصدق  ، أدرك فشلى فى مسايرة حركة الحياة داخل بيضتى ، وأدرك أن التمسك بلعن هذا النظام داخل سجنى جنونا ، كل حيطانى وحيطانك قشرة من البياض السميك ، تبدأ حياتك داخل بيضة وتنهيها منفجرا أو فاقسا ، وهى تسللت فى اليوم الثانى داخل بيضتها وهربت

السلام عليك أيتها النفس البائسة ، أيتها البيضة البائسة ،وسلام عليهم هم الغرباء أبناء الوهم وفاشيات الهروب من المأزق الانسانى بدفن الرأس

قل لمن علمك الحياة أن يكتف بالدرس ولا يعلمك الموات ، وتحرك داخل بيضتك كثيرا لتقوى قشرتها وتفسح لوهمك مجالا أكبر، لا تتحرج ، ولا تظنه عقابا  أكبر للنفس ، أن تنزوى فى المفرخة ، ترص البيض الحديث ، تدون تاريخ الدخول ، تعزل الكتاكيت الصغيرة وتكنس القشر والمخلفات ،بينما خيطا من الألم يندفع من أسفل الواحد متسللا ومتخفيا وكنتيجة حتمية ينطلق إلى أعلى ، أتحسس بين ساقى وأكتشفه لأول مرة ، ورما ضخما فى الكرتين المتدليتين أبتسم وأقول لسرى أن لدى ما يكفى من الشجاعة لتقبل الأمر

 لست نبتا شيطانيا أيها العالم ، فى لحظة ما مغمورة بالدفئ _ كان لى أب وكانت لى أم  وكانت لدى روح محبة ،  زمان ، قبل أن يغيب كل هذا من الذاكرة ، حتى أنى لا أقوى على تذكر صرامة أبى ولا حنو أمى  ، زمان قبل أن أسقط وحيدا خاليا من العالم فى مفرخة بيض ، أرص وأكنس وأدون التواريخ السافلة

فى حالات متشابهة تتمخض الحياة ، تحمل وتئن وتتوجع ، تبعد بين فخذيها وتلد التوحش بغيضا كريها كالخارج من فوهات القبور ، فى حالات متشابهة تبقر بطن العالم ، تغزه بسكينك من أسفل إلى أعلى فتسقط المصارين الملوثة على يديك بينما تستمتع بلذة الانتقام ، وأنا ما خليت وهما الا اكتسيته ، وهم العالم ووهم الحياة ووهم الموت والميلاد داخل بيضة كبيرة أسميها مجازا نفس

أثناء طفحى للنص جاء زبون ، سلم وعد بيضاته ، تناولتهم و رصصتهم فى الرف المناسب مؤرخا دخولهم ، بص بعين خبيثة  مستطلعا حالى وقلت إنى بخير بينما أدرك أن شرور العالم تعابثنى ، فى أصرار مذهل على مقارفتى ، أنا البائس على أى حال 
سجينا داخل بيضتى ، سجينا داخل مفرختى ، سجينا داخل مفرخة كبرى ، وما نحن سوى  بيض 
كأنه نوعا من العقاب العالمى ، إذ بعدما تقسو حياتك بوحدتك تكتشف أنك صرت زوجا وأبا لولد نقى ، ويهج كل هذا فى لحظة ثم تعود كما كنت وحيدا مشركا بالعالم كافرا بمشاعره البغيضة ، تود لو تهبه بعض حزنك وكراهيتك ، هبة لا ترد

ما الذى أقوله يارب ، أهى هلوسات المرض ، الورم الضخم فى منبت الذكورة وصراحته فى الانطلاق لأعلى ، ما جناية المتلقى لكل هذا ، لماذا أحمله ثقل همى وانفعالاتى ، هو منعم  داخل بيضته مع أولاد أنقياء، نجح فى مضاجعة العالم ، سلبه بكارته  ، من بيضته صنع عالم مواز ، جنة موازية ، ماله والمتشائمون أمثالى  ، لا أحسدك يا سيد  فلا تفهم قصدى كما لا ينبغى ، فلديك سجنك وهمومك وجبنك أيضا ، لكن الورم فى منبت ذكوريتك لم يداهمك بعد ، تاريخ تسلسلى مدروس يا سيد ، دورك قادم فلا  تغتر ، واجعلنى آية لك 
فى مفرخة البيض يتضخم الورم والألم ، حتى أنى ما عدت أقوى على  الحراك ، أسقط متلويا هناك بين أرفف المفرخة ، أجاهد حتى أصل لتليفونى ، أضرب الرقم متمسكا ببعض قوة ووعى ، واحد اثنان ثلاثه ، بينما أدرك أن ثمة انفجار حدث  ، تماما  فى منبت الذكورة ، انفجار للورم ، لا أستطيع النظر اليه ، لا أملك شجاعة تتبع الوجع ، ميزة افتقدها منذ دهر ،  أضع يدى بين فخذى وأرفس ، بينماء الدماء الفاسدة تغرق ملابسى ، كحامل أتاها المخاض بغتة فمس وحدتها  ، جائت العربة البيضاء _ كلهم خونة _  ، دخل المسعف مسرعا ، بالطو أبيض وسيع يرتجف بداخله بدنا هزيلا يجتاز المسافة من مدخل المفرخة لمكان سقوطى بين الأرفف _كلهم متآمرون _ ، مزق ملابسى بمشرطه ، صرخ فى سائق العربة ليحملنى معه ، دخل نفر آخرون ، تطفلا اسمه المساعدة ، شالونى ووضعونى على السرير المتنقل ، مزق المسعف كل الملابس التحتية حتى انتهى لمكان الانفجار ، هاله الأمر فبص على مشفقا ،  وأنا بادرته  بابتسامة وسيعة 
 نحن مجرد بيض يا سيد وحان موسم الفقس

الخميس، 2 أكتوبر 2014

الماكينة ( نص )

     كتلة لحم بيضاء .
     كتلة لحم  بيضاء ومربعة الشكل كصندوق ضخم .
     كتلة ضخمة من اللحم الابيض مربعة الشكل كخزينة او صندوق صرف العملات ، وهو النحيف الممصوص يقف خلفها مباشرة ، يعيد تفقدها كأنه يكتشفها للمرة الأولى فى حياته ، رغم السنون الثمانية العجاف التى تربطهما منذ اول ليلة استسلم فيها للوهم .
     صندوق ضخم من اللحم الابيض الكريه تشبه ماكينة صرف الاموال ، تدز الكارت ، تكتب الرقم السرى والقيمة ، من الجانب الآخر تنطلق الأوراق النقدية ، يعيد تفقدها هو الهزيل بفانلته الحمالات الممزقة _ كأنما يكتشفها لأول مرة ، رغم انه لا ينسى ابدا انه باع روحه للوهم منذ اول مساء صارحته برغبتها فى الارتباط وهو قال آمين دون حتى ان يسمح لنفسه بلحظة تمعن .
     يقف خلفها ويدز كارته المنصوب جيدا ثم ينتظر أن تخرج العملات من فهما المفطوس بين لحم الوجه  المنبعج الأبيض .
     فارق زمنى مناسب بينهما، قل عشر سنوات مثلا ، ربما تزيد قليلا أو تنقص ، وفارق إنسانى أيضا ، هى إبنة موسر ، تلك اليسرة التى تخدم متطلباتها ، إعتادت شراء واقتناء الحاجات المهمة ، وهو كالعادة ، كأغلب النصوص القديمة ، من الحى الفقير ، لم تربطهما أى حكايات غرامية حتى لا تتسرب لذهنك انجى بنت الباشا ، فهى ليست إبنة باشا ، إنما ميسور ، يعنى تعدى الطبقة الوسطة بمرحلة بسيطة ، إنما لأن ثمة قطارات فاتتها لم تجد أمامها سواه ، فحل من الحى الفقير ربما يقوم بالواجب كما ينبغى ، قطارات كثيرة رغم ذلك فاتتها الحقيقة ، قطار الحب والزواج ،الارتباط بكائن ما  بخيوط التناغم ،  قطار الجمال والألفة ، كثيرا من القطارات الأخلاقية والإنسانية ، كائن صندوقى الشكل ، لزج ومقرف ، يضع سبابته فى أنفه فى أحرج اللحظات الليلية ، ألة صرف النقود أمام بنك التنمية الزراعى .
     يدز كارته ، يخرجه ويعيد تنظيفه ثم يدزه ، معطلة ، ماكينة معطلة ، يقلبها ، يضربها على مؤخرتها ، يحاول رجها ، هو الهزيل المصوص ، دون إستجابة ، يستجمع أنفاسه ، ويحاول ثانية ، ماكينات معطلة ، مثل جميع الماكينات المعطلة التى تعرقل مسيرة الحياة ، ماكينة الميلاد ، ماكينة الإخلاص للعالم ، الإنسانية المشردة ، منحوس من يومه ، شهادة مختومة وموقعة من كلية السياسة والإقتصاد بدرجة مناسبة  ، ثم سبيل المقهى يفرز فيه كثيرا من كراهية العاطلين ، كأنه بدورة ماكينة معطلة ، يعيد إكتشاف ذاته ، أبن الحى الفقير أو قل تحديدا الحى الريفى الفقير أو قل الحقير وأرح رأسك ، ماكينة معطلة منذ أن جاهد وإستنزف كل قدراته للبقاء حيا ثم شهادة ممهورة ، لكن ماكينة التوظيف معطلة ، وصراع إنسانى بحت بين الفقر والعوز وبين إستمرار الحياة ، أقرانه ، من هم على شاكلته من الإحتجاج أو قل  الإحتياج باعو أنفسهم للتنظيمات الإجرامية ، حتى تلك التى توهمك بنقاء مقصدها ، القاعدة فى افغانستان ، داعش فى العراق ، أنصار بيت المقدس فى سيناء ، نعم ، بيت المقدس فى سيناء  ، لكنه كان أقلهم عدوانية فباع نفسه لصندوق من اللحم الأبيض ، باعها لماكينة صرف النقود ، يعافر معها ، يدز كارته المنتفخ المنصوب جيدا وينتظر بشغف خروج العملات الورقية ، يعيد إستجماع روحه المباعة أصلا، يأخذ حمام ، والنصف الآخر من القرص ، يتفقد ماكينته ، مدخل الكارت ومخرج النقود ، يستبعد حملها الى من يجيدوت صيانة ماكينات كهذه ، هل يعيد توصيل مقبس الكهرباء ، تنظر اليه بخوف وحسرة ، كان الوحيد المتاح ، فى عالم يُعطى فيه الحلق للأصم ، بختها ونيلتها السوداء ، ثمان سنوات موزعة بين المعرفة والفشل ، ومحصلتها وحيدان فى بيت كبير دون طفل ينغص عيشتهما ، دعك من تصوراتك عنهما فهى غالبا ستودى بك الى رؤية تقليدية عن إزدواجية قديمة ، وحاول أن تعيد معى إكتشافهما ، ماكينة مربعة الشكل دهنية سمجة ، وصنائعى بليد وفاشل وخبرته معدومة فى التعامل مع الماكينات .
لدينا خجل فى معرفة أنفسنا بديل عن الآخرين ، وكسة قهرية تصاحبنا من الميلاد الى المثوى الأخير ، ماله العالم لو يصير أقل صرامة مما يبدو عليه ، رشاقة فى التعامل ومرونة فى التواصل والمعرفة ، وبلا خبث فى الإدراك أو تجهيل الآخرين على الأقل لحصار الفجاجة ،   فى حالات أخرى ينتهى الأمر سريعا ، زوج يقتل زوجته وينتحر لمروره بضائقة ،، تقيده بالسرير أثناء نومه ، تركب فوق جثمانه وتغرس سكينة المطبخ ، يلقى بجثتها فى النهر ف تتعلق به وتجره الى القاع ،، لكنهما لم ينتهيا الى إحدى هذه النتائج بعد ، رغم ثمان سنوات عجاف وكئيبة بينهما ، ربما لعدم وجود بدائل متاحة ، كل ما إقتنته ماعاد إستعماله طبيعيا بعد هجوم التخمة ، التختخة والكلبظة الدهنية المخيفة التى حاصرتها ، يعنى زوج من عود ، عود هزيل ممصوص وأقرع ، مسمار جحا الأبدى ، خاتم الزوجية ، أو ختمها ، لم يحن بعد الدخول الى مرحلة الأرملة ، وهو ، الكحيان العقيم ، كيف يستبدل ماكينته بواحدة أحدث ، بعيدا عن هزاله وإمتصاصه وندرة إمكانياته للولوج داخل عالمها أو أى عوالم أخرى _ من سترضى به ، جثة هزيلة لا ينقصها إلا خروج الروح ، عفوا ، الروح مباعة أصلا من أول مساء ضحك فيه الوهم وأخرج لسانه
     يحاول ثانية ، يخرج كارته ، يعيد تفقده وتفقد الماكينة ، محاولة أخرى فاشلة لمعرفة المشكلة ، يدز الكارت ، بمنتهى العنف والعصبية وقل القهر أيضا ، ينظر للماكينة بيأس ، تنظر اليه الماكينة بيأس ، أخيرا وكفعل أو رد فعل طبيعيا ، يترنح و يسقط خلفها فاقدا الوعى .

     ما أدرانا إنه لم يفقده قبل النص أساسا

الجمعة، 9 مايو 2014

من رواية( مسافات غير محسوبة بدقة ) العنوان الفرعى ( ماد هاوس ايجيبت )

لندعى أن روح الدهشان تأتيك _ واقعيا _ فى المنام الطاغى ، قماش دبلانى عريض وعدة بقع حمراء متناثرة تؤكد أنه شهيد الوطن..تنزل الروح من مخدعها للمرة الأول فى تاريخ موتها ، تموج بها الريح الأمشيرية وتحدفها صوب أعلى وأقرب بناية منك .. تجربة النزول هذه تعقد سيقان الروح وتكعبلها فى طبق الستالايت خاص مقهى السلمانية ، تتكعبل الروح المخضوضة لتسقط فى منور بيتكم ذو الطوابق الثلاثة ،فوق تلال القمامة المعدة خصيصا لتلك الحالات الفردية ..على الروح الآن الاستناد على خبرتها حتى تتسلق مواسير الصرف ، تدفع نافذة المطبخ وتهرس _ بعفوية _ القط الأب ذلك الذى يهتم دائما ببروتوكولات ومراسيم حفلات عشاء الماكريل الشهرية ، أو ذلك الذى يموء حاليا بحس مذعورا وصارخ ثم يحلف بالنعمة التى أمامه والتى يتقيئها قيحا لو كذب _ ما يعود إلى تلك التزاويق الزائفة لحفلات اللّوع واعوجاج الذيول ، تقتحم عليك الروح غرفة الخصوصية نافخة ومتأففة ، حين تطمئن لوجودك تأخذ _ هى الروح _ نفسا عميقا وتحس بدبيب الروح فيها _ أى تحس الروح بعودة روحها _ ، والآن تبدأ روح الدهشان فى تنفيذ السيناريو المعد سلفا،تمد يدها فـ تيقظ نصفك التائه فى اللاوعى ، بينما يبقى النصف الآخر مستلقيا ومداعبا لأمنيات فعل المستقبل، تثبت الروح فى مكانها من الفراش تبعا للمخطوط فى ذاك السيناريو وترتل عليك الآيات فى صرامة " السن بالسن والبادى … " ، تشيل الروح صرامتها على عاتقها وتفر فـ برغم كون العتمة الغليظة ذبابة سوداء تزيح الطمأنينة إلاّ أن ضوء الفجر يتسلل كعنكبوت بغيض قادم من جوف البلادة ليفرد شباكه ويتماس بمصيره ، تصريح نزول الروح مؤشر عليه بساعتين فقط مما تعدون،بالتالى لابد من شيل الصرامة والفرار فـ أى مبرر تلفقه _ إن تجاوزت المدة _ لـ خازن الأرواح ، ذلك التكوين الضخم حارس البوابة الحديدية المنمقة بعتبتها المصقولة والبعيدة عن ساحة إعادة التأهيل على نار دافئة مسافة شواء جسد الشيطان المخنث وبئس المهاد.
تشيل الروح صرامتها وتفر ، تجذب باب غرفة الخصوصية ، تجتاز الصالة الضيقة ، المطبخ ، قبل اعتلاء النافذة _ لتهوى فى منور البيت _ طريق حضورها _ تقع عنها صرامتها ، وقبل التقاطها مرة ثانية لن تحدث خسائر هناك سوى هرس القطة الأم…
حال متشابه يتكرر مع نصفك الباحث عن التيه فى اللاوعى ذلك المتخبط كالمهووس أو الممسوس فى محاولة للعودة كما كان قبلا فـ تسقط بين يديه أمانى فعل المستقبل خاصة النصف الآخر فيدش دماغهـا _الأمانى _ فى دلفة الدولاب المفكك مرة وراء مرة لولا انتباه ذلك النصف الذى سيقبض على ذيل الأمانى ويتناوبان الصراخ والجذب والمعايرة واللعنة ليولد الفزع مصاحبا آهة طويلة تفجر الصمت وتيقظ جارتيك الساكنتين فى المواجهة _ من قال إنهن نمن أصلا .. بالتالى تغار جدتك العجوز فـ تقوم مبسملة ، تحتويك بين تكوين وعظمى ، تسقيك شربة الماء بالنعناع المغلى وتتلو المعوذتين ثم تسب ميتين الكلاب التى أطاحت بالمبخرة القديمة هدية الدهشان قبل كتب الكتاب … ألف رحمة ونور .
تأتيك الروح مرة ثانية وثالثة حتى يصبح حضورها عاديا ..تتفادى طبق الستالايت فتشتبك ومناشير غسيل جارتيك اللتان لا تختشيان وتنشران الحاجات الحساسة لكل روح تدب ، تنفلت من السقوط فى منور البيت فـ تغوص فى مدخل الحارة _ الشبيه بمخرجها تماما ، تمد يدها متجاهلة السيناريو فـ تيقظ نصفك المداعب لأمانيه ،لكنك _ بعد تلك المحاولات القديرة _ ستدرك ما تعوزه الروح ، إذ أن المسألة بلا تعقيد ، الروح _ ببساطة الطيبين _ تستنجد بك لتمحو عنها ذل الدم البارد ، ألم تقل الروح إنهن هناك _ داخل حواصل طيور الجنة الخضراء العملاقة _ تهنئ الأرواح بعضها لحصول ذويها على الثأر قبل ابتراد الدماء ، ألم تقل إنهن يطللن عليها بشفقة متناهية .
واجبك أن تفزع حالا تخطف الخرطوشة ذى الروحين بيمينك ، تلتف بعباءة الدهشان التى شهدت مذبح الشهامة المأساوى ، تغتص هناك فى قلب الجنوب الغويط بين عيدان القصب السامقة المتكاثفة ثم تسمو بقامتك وقامة الروح وتكلل الكرامة بالفخر وأنت تطلق العيارين ليسكنا بدن القاتل المتنعم بحياته مازال فتمزق جسده وتبعثر روحه المريضة أشلاء سهلة القضم والبلع من ميتين الكلاب التى أطاحت بمبخره قديمة .
لا تقلق أو تهتز فـ قضية الجنوبيين الأصلاء الذين هجروا زراعة القصب ، امتعضوها وباعوا نصف عمرهم دفعا لحق تأشيرة اللجوء غير السياسى لبلد خليجى اقتحم شماله الكبير جنوبه فـ حرمتهم سيادة القانون الدولى ذات الخطوط الحمراء الطولية من استقرار ينتهى بعلم الغيب ،قضية الجنوبيين الأصلاء الذين يبيعون نصف عمرهم المتبقى دفعا لحق العودة وزراعة القصب ، تلك القضية الزائعة ربما تكون أكذوبة ثم أنك حين الضيق ربما تزرع لنفسك قصبا مخصوصا .
أنت ستأخذ حقك وحق روح الدهشان فى الثأر حتى إن كانت تلك الروح قد أنساها الشيطان المخنث _الذى اكتمل شواء جسده فى ساحة إعادة التأهيل _ إخبارك بقاتله الحقيقى _ اسما وصورة _ لتغرس إصبعك القصير فى كل العيون البجحة والباصة لك وللروح بشفقة .
فقط هو بند غير ذات أهمية تذكر يعرقل تقدمك ، فـ أنت _ مع كل تلك المخاطرة الهائلة _ لا تملك بندقية خرطوش بروحين………………………… أو حتى بروح واحدة .